تسلط هذه الدراسة الضوء على فئة اجتماعية قلما نالت حظها من الاهتمام في البحث العلمي وفي السياسات الاجتماعية على حد سواء، وهن الشابات المهاجرات اللواتي يحملن صفة النيت، أي اللواتي لا يكن منخرطات في التعليم ولا في العمل ولا في التدريب، فرغم التنوع الشديد الذي يجمعه هذا المصطلح تحت مظلته من حالات وظروف متباينة، تظل تجربة هؤلاء الشابات وحالتهن من الهشاشة غير معترف بها بالقدر الكافي، إذ يضم مصطلح النيت فئات شديدة الاختلاف في الأعمار والخلفيات والأسباب التي أبعدتها عن مسارات التعليم والعمل، ولا يستقيم فهم أي فئة منها دون الإصغاء إلى تجربتها الخاصة وسرديتها الذاتية، وهو ما يجعل فهم التجارب المعيشية لهؤلاء الشابات وطموحاتهن المكبوتة مدخلًا ضروريًا لأي سياسات تستهدف دعمهن ودمجهن في مجتمعات الاستقبال دمجًا حقيقيًا لا شكليًا، ويزيد من هذا الغياب أن أوضاع هؤلاء الشابات لا تظهر بوضوح في الإحصاءات المعتادة التي تركز على حالتي العمل والبطالة، فتبقى كثيرات منهن خارج مجال الرؤية البحثية والسياساتية معًا رغم حضورهن الفعلي الملموس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف تجربة مجموعة من الشابات المهاجرات من خارج الاتحاد الأوروبي تتراوح أعمارهن بين 18 و31 عامًا ويقمن في إيطاليا، ممن لم يكن منخرطات في التعليم أو العمل أو التدريب وقت مشاركتهن في الدراسة، واعتمدت الدراسة على جمع تسع عشرة مقابلة شبه مقننة مع شابات هاجرن من بنغلاديش ومصر والهند والمغرب وباكستان وتونس، وقد تمت هجرة معظمهن عبر لم الشمل الأسري، ثم أخضعت نصوص المقابلات للتحليل الموضوعي بهدف استخلاص الأنماط والموضوعات الكامنة في روايات المشاركات عن تجاربهن وظروفهن وتصوراتهن لذواتهن ولمستقبلهن، بما يتيح قراءة متعمقة لكيفية عيش هؤلاء الشابات وضعهن وكيفية إدراكهن له بأبعاده المختلفة، وقد أتاحت المقابلات شبه المقننة للمشاركات سرد تجاربهن بأصواتهن وبترتيبهن الخاص للأولويات، فجاءت البيانات غنية بالتفاصيل اليومية الدقيقة التي لا تلتقطها الأدوات المغلقة الأسئلة ولا الإحصاءات العامة الجاهزة
ثانيًا: أبرز النتائج
أبرز التحليل الموضوعي لنصوص المقابلات تعقيد القصص والتجارب التي روتها المشاركات وغناها، إذ تشكل المشاركات مجموعة غير متجانسة تتميز بمستويات مختلفة من الهشاشة ومن قدرات المرونة النفسية، وبمهارات لغوية متفاوتة، وبدرجات متباينة من الانخراط في هدف البحث عن عمل، كما أظهرت الروايات طموحات مكبوتة لدى كثير من المشاركات، إذ لم يكن غياب الانخراط في التعليم والعمل تعبيرًا عن غياب الرغبة في التقدم، بل عن سياقات وظروف لا تستوعب تطلعاتهن دائمًا، وتبين أن إدراك الهشاشة الذي عبرت عنه النساء المستجوَبات يتصل أساسًا بالبعد العلائقي للحياة، إذ بدا هذا البعد موسومًا بالوحدة والشعور بالعزلة وبإحساس بالاغتراب وعدم الانتماء إلى السياق الخارجي المحيط بهن، فليست الهشاشة عندهن حالة مادية فحسب، بل تجربة علائقية ونفسية تتجلى في ضعف الروابط الاجتماعية وفي صعوبة الإحساس بالمكانة داخل المجتمع الجديد، وتتدرج هذه الهشاشة العلائقية في مظاهرها من ضعف شبكات الدعم القريبة إلى صعوبة بناء علاقات جديدة في مجتمع الاستقبال، بما يجعل الحياة اليومية محملة بشعور مستمر بالغربة حتى حين تتوافر مقومات الاستقرار الأساسية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ناقشت الدراسة الآثار المترتبة على هذه النتائج بالنسبة إلى السياسات الموجهة إلى هذه الفئة المحددة من النساء الأجنبيات، إذ تدعو النتائج صانعي السياسات إلى الاعتراف بتجربة الشابات المهاجرات ذوات صفة النيت وبهشاشتهن بوصفه خطوة أولى نحو تصميم تدخلات ملائمة لخصوصيتهن، كما توحي النتائج بأن معالجة البعد العلائقي للهشاشة، من وحدة وعزلة وعدم انتماء، لا تقل أهمية عن معالجة الانخراط في التعليم والعمل والتدريب، فدمج هؤلاء الشابات يمر عبر بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز الإحساس بالانتماء إلى جانب فتح مسارات التأهيل والتشغيل، مع مراعاة التباين الكبير داخل هذه الفئة في مستويات الهشاشة والمرونة النفسية والمهارات اللغوية، فلا تصلح معه الحلول الموحدة الجاهزة التي تعامل الفئة كلها بوصفها كتلة واحدة متطابقة الحاجات والظروف، كما يستدعي الاعتراف بالتباين الداخلي للفئة تصميم مسارات دعم مرنة تتفاوت بحسب اللغة والمهارات ومستوى المرونة النفسية لدى كل شابة، بدل برامج موحدة تفترض تجانسًا غير قائم في الواقع
وخلاصة القول إن الدراسة تمنح صوتًا لفئة ظلت تجربتها غائبة عن البحث والسياسات، فتكشف أن هشاشة الشابات المهاجرات ذوات صفة النيت هشاشة علائقية في المقام الأول تتغذى من الوحدة والعزلة وعدم الانتماء، وأن أي استجابة سياساتية فعالة ينبغي أن تبدأ من الاعتراف بهذه التجربة وأن تجمع بين الدمج الاجتماعي والدمج التعليمي والمهني معًا
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
