تثير العلاقة بين النمو المالي والتدهور البيئي جدلًا واسعًا في الدول العربية، إذ قد تسهم التنمية المالية في تمويل أنشطة تزيد انبعاثات الكربون وتضغط على النظم البيئية، بينما قد يوجه الاستثمار الأجنبي المباشر والحوكمة الرشيدة والابتكار التقني الاقتصادات نحو مسارات أنظف، وتتناول هذه الدراسة أثر التنمية المالية والاستثمار الأجنبي المباشر والحوكمة الرشيدة والابتكار التقني في التدهور البيئي في الدول العربية عبر فترة ممتدة، بما يقدم صورة قياسية شاملة تفيد صانعي السياسات البيئية والاقتصادية في المنطقة في المواءمة بين أهداف النمو ومتطلبات الاستدامة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس أثر التنمية المالية والاستثمار الأجنبي المباشر والحوكمة الرشيدة والابتكار التقني في التدهور البيئي في الدول العربية خلال الفترة من 1991 إلى 2019، وطبقت الدراسة مجموعة من الأساليب القياسية المتقدمة شملت التكامل المشترك القائم على تصحيح الخطأ، ونموذج الانحدار الذاتي للتوزيعات المبطأة عبر القطاعات، ونموذج الانحدار الذاتي غير الخطي للتوزيعات المبطأة، واختبار السببية غير المتجانسة لتحديد اتجاه السببية، وسبق التحليل فحص تجانس الميل واعتمادية المقاطع العرضية واختبارات جذر الوحدة وفق منهجيتي سي آي بي إس وسي إيه دي إف، وأظهرت هذه الفحوص أن متغيرات الدراسة تتسم بعدم التجانس والاعتمادية عبر المقاطع، وأنها جميعًا تصبح مستقرة بعد أخذ الفرق الأول، كما أثبت اختبار التكامل المشترك القائم على تصحيح الخطأ وجود علاقة تكامل طويلة الأجل بين المتغيرات التفسيرية والمتغير المفسر
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج نموذج الانحدار الذاتي للتوزيعات المبطأة عبر القطاعات أن التنمية المالية ذات أثر ضار في الاستدامة البيئية، إذ تؤدي إلى تكثيف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وعدم الاستقرار البيئي، في حين أظهر الاستثمار الأجنبي المباشر والحوكمة الرشيدة والابتكار التقني دورًا نافعًا في التخفيف من التدهور البيئي، وكشف التقويم غير المتماثل عن وجود ارتباط غير متماثل بين المتغير المفسر والمتغيرات التفسيرية الجوهرية يسري في الأجلين الطويل والقصير معًا، بما يعني أن الصدمات الموجبة والسالبة في هذه المتغيرات لا تنعكس على البيئة بالقدر ذاته، أما اختبار السببية فقد كشف عن سببية ثنائية الاتجاه بين الاستثمار الأجنبي المباشر والتدهور البيئي، وبين الابتكار التقني والتدهور البيئي، بحيث يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به عبر الزمن
وتزداد أهمية هذه النتائج في ضوء طول الفترة المدروسة التي تمتد لنحو ثلاثة عقود شهدت تحولات عميقة في الأنظمة المالية العربية وانفتاحها على الاستثمار الأجنبي وتسارع الابتكار التقني، إذ لا تعكس النتائج علاقة آنية عابرة بل نمطًا بنيويًا مستقرًا عبر الزمن، كما أن مراعاة الارتباط غير المتماثل تنبه صانع السياسة إلى أن خفض التنمية المالية أو إعادة توجيهها قد لا يعكس أثرها البيئي بالسرعة أو القدر ذاته الذي أحدثه توسعها، وأن التحولات البيئية في هذا المجال بطيئة ومتراكمة وتتطلب سياسات مبكرة قبل استفحال الأضرار
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات سياساتية مباشرة للدول العربية، فالأثر الضار للتنمية المالية يستدعي مراقبة كفؤة للتحسين البيئي عبر القنوات المالية عند منح الائتمان وربط التوسع الائتماني بالسياسات البيئية القائمة، بحيث لا يتحول التمويل إلى محرك لانبعاثات إضافية، وفي المقابل يدعم الأثر النافع للاستثمار الأجنبي والحوكمة والابتكار التقني سياسات جذب الاستثمارات النظيفة وتعزيز الحوكمة الرشيدة وتوطين التقنيات الصديقة للبيئة، كما تفيد النتائج الباحثين في الاقتصاد البيئي بأدلة قياسية طويلة الأجل من المنطقة العربية وبمنهجية تراعي عدم التجانس والاعتمادية المقطعية والارتباطات غير المتماثلة، وتفتح الباب أمام دراسات لاحقة على مستوى الدول منفردة أو القطاعات الاقتصادية المختلفة
وتقدم الدراسة بذلك إطارًا تحليليًا يمكن للدول العربية توظيفه عند صياغة استراتيجيات التمويل الأخضر، إذ يصبح توجيه الائتمان نحو الأنشطة منخفضة الكربون واشتراط التقويم البيئي للمشروعات الممولة امتدادًا طبيعيًا لأدلة الدراسة لا مجرد توجهات عامة
كما يمكن توظيف أدلة السببية ثنائية الاتجاه في تصميم سياسات متزامنة تعالج قنوات التأثير المتبادل بين التمويل والاستثمار والبيئة بدل معالجة كل قناة بمعزل عن الأخرى
وخلاصة القول إن التنمية المالية في الدول العربية خلال العقود الثلاثة المدروسة أضرت بالاستدامة البيئية عبر زيادة الانبعاثات، بينما خفف الاستثمار الأجنبي المباشر والحوكمة الرشيدة والابتكار التقني من التدهور البيئي، وهو ما يجعل إصلاح القنوات المالية وربطها بالسياسات البيئية أولوية لأي استراتيجية عربية للتنمية المستدامة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
