يمثل عدم التطابق بين التعليم وسوق العمل أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات النامية، إذ يعمل أعداد كبيرة من الموظفين في وظائف لا تناسب مؤهلاتهم أو مهاراتهم، ما يهدر الاستثمار التعليمي ويضعف الإنتاجية، وتأتي هذه الدراسة لفهم أنماط عدم التطابق التعليمي ومداه في سوق العمل المغربية، عبر جمع قاعدة بيانات واسعة لأنواع المهارات التي تغذي التوسع الاقتصادي والنمو وتحليلها، وهي دراسة تنتمي إلى قلة من الدراسات التي تناولت عدم تطابق المهارات في منطقة شمال أفريقيا، وتعد الأولى التي تفحص الحالة المغربية تحديدًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف إلى العوامل المرتبطة بعدم التطابق بين التعليم والمهارات وتقدير مداه في سوق العمل المغربية، من خلال تحديد نسبة الموظفين الذين يعملون في وظائف لا تطابق مؤهلاتهم ومهاراتهم، وفحص طبيعة هذا عدم التطابق واتجاهه، وعلاقته بالمهارات المعرفية والمهارات الخاصة بالوظائف المطلوبة
واعتمدت الدراسة منهج التقييم الذاتي لتحديد مدى عدم التطابق في المغرب، متبنية مسح البنك الدولي المعروف بمهارات نحو التوظيف والإنتاجية، الذي يطبق أساسًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وتكونت عينة الدراسة من أربعمئة وستة عشر مستجيبًا ممن انطبقت عليهم المعايير المحددة، واستُخدمت اختبارات إحصائية متنوعة شملت الاختبار الوصفي ومربع كاي ومعامل ارتباط سبيرمان لتحديد العلاقة بين وحدات برنامج المسح الثلاث والجوانب الديموغرافية للمستجيبين
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وفق منهج التقييم الذاتي غلبة الموظفين غير المتطابقين بنسبة خمسة وخمسين وواحد من عشرة في المئة من أفراد العينة، مقابل أربعة وأربعين وتسعة من عشرة في المئة من الموظفين المتطابقين مع وظائفهم، وهو ما يعني أن أكثر من نصف القوة العاملة المدروسة تعمل خارج نطاق توافق مؤهلاتها ومهاراتها مع متطلبات وظائفها، كما تبين أن عدم التطابق المكتشف ذو طبيعة عمودية، أي أنه يتعلق بمستوى المؤهل مقارنة بمستوى الوظيفة لا بمجال التخصص وحده
كما أظهرت النتائج أن المهارات المعرفية ترتبط بدلالة إحصائية بالمهارات الخاصة بالوظائف المطلوبة، إذ جاء معامل الارتباط بينهما دالًا إحصائيًا، وهو ما يشير إلى أن ما يمتلكه الموظف من قدرات معرفية عامة يتصل اتصالًا وثيقًا بما تتطلبه وظيفته من مهارات نوعية، وأن معالجة عدم التطابق لا تنفصل عن تطوير الرصيد المعرفي للعاملين ومواءمته مع متطلبات سوق العمل المتغيرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبع أهمية هذه النتائج من كونها تقدم أول تقدير منهجي لمدى عدم تطابق التعليم والمهارات في الحالة المغربية، وهو ما يزود صناع السياسات التعليمية وسياسات التشغيل بخريطة واقعية لحجم المشكلة وطبيعتها العمودية، فحين يعمل أكثر من نصف الموظفين في وظائف لا تطابق مؤهلاتهم، تصبح مراجعة مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل أولوية اقتصادية لا تربوية فحسب
كما تفيد النتائج مؤسسات التعليم والتدريب وأرباب العمل معًا، إذ تؤكد أن الاستثمار في المهارات المعرفية يظل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمتطلبات الوظائف الفعلية، وأن سد فجوة عدم التطابق يستدعي تنسيقًا مستمرًا بين ما تقدمه المؤسسات التعليمية من مؤهلات ومهارات، وما يطلبه الاقتصاد من كفاءات لتغذية توسعه ونموه، مع متابعة دورية لقياس مدى التطابق عبر مسوح منهجية مماثلة
ويقوم منهج التقييم الذاتي المعتمد في الدراسة على سؤال الموظفين أنفسهم عن مدى تطابق مؤهلاتهم ومهاراتهم مع ما تتطلبه وظائفهم، وهو منهج يكشف التطابق كما يدركه شاغل الوظيفة من واقع ممارسته اليومية، ويمنح صورة قريبة من سوق العمل الفعلية، وقد أتاح مسح مهارات التوظيف والإنتاجية مقارنة الجوانب الديموغرافية للمستجيبين بوحدات المسح، بما ساعد على رسم خريطة أدق لانتشار عدم التطابق بين فئات القوة العاملة المغربية
وتصلح منهجية الدراسة مرجعًا لدراسات مقارنة في دول شمال أفريقيا والمنطقة العربية عمومًا، إذ تفتقر هذه الدول إلى قياسات دورية لعدم تطابق المهارات رغم مركزية القضية في خططها التنموية، كما أن إثبات الدراسة إمكان تطبيق مسح دولي مقنن في السياق المغربي بنتائج متماسكة يشجع الجهات الإحصائية والبحثية على تكرار القياس دوريًا وربطه بسياسات التعليم والتدريب المهني وسوق العمل
وخلاصة القول إن سوق العمل المغربية تعاني عدم تطابق واسعًا بين التعليم والوظائف يطال غالبية الموظفين في العينة المدروسة وذا طبيعة عمودية، وإن المهارات المعرفية ترتبط بدلالة إحصائية بمهارات الوظائف المطلوبة، وهو ما يجعل مواءمة التعليم مع سوق العمل قضية محورية في أي استراتيجية مغربية للتوظيف والإنتاجية والنمو المستدام
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
