أفرز التطور السريع في البنية التحتية للإنترنت خدمات جديدة ومبتكرة تقوم على إنترنت الأشياء، إذ باتت الأجهزة والأشياء اليومية متصلة بالشبكة تتبادل البيانات وتقدم خدمات ذكية في المنازل والمدن وقطاعات الأعمال، غير أن الاهتمام التنظيمي بهذه الخدمات ظل محصورًا في البحث الأكاديمي والتشريعات في قضايا المعلومات الشخصية وحماية الخصوصية وحدها، بينما تتجاوز آثار إنترنت الأشياء الخصوصية إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وتنظيمية متعددة، ويقتضي ذلك تطوير إطار تنظيمي شامل لخدمات إنترنت الأشياء يوضع وعينه على المستهلكين المحتملين الذين سيتعاملون مع هذه الخدمات ويتأثرون بقواعدها، إلا أن الدراسات ذات الصلة بهذا الجانب ما تزال قليلة، وتزداد الحاجة إليها مع الانتشار المتسارع للأجهزة المتصلة في الحياة اليومية وتوسع الخدمات المعتمدة عليها، ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى سد هذه الفجوة البحثية بتقدير تفضيلات المستهلكين من أجل بناء تنظيم ملائم لنشر خدمات إنترنت الأشياء يوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المستهلك وحقوقه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد السمات التي ينبغي مراعاتها عند تنظيم خدمات إنترنت الأشياء من منظور المستهلكين المحتملين، وقد استخدمت الدراسة التحليل المشترك الذي يعرض على المستجيبين بدائل افتراضية تجمع بين مستويات مختلفة من سمات الخدمة لاستخلاص الأهمية النسبية لكل سمة وتقدير الاستعداد الحدي للدفع مقابلها، كما استخدمت نموذج الطبقات لفحص أهمية سمات خدمات إنترنت الأشياء بوصف ذلك جزءًا من الاعتبارات الداعمة لتنظيمات إنترنت الأشياء، إذ يتيح هذا النموذج النظر إلى الخدمة عبر طبقات متعددة تتصل بالبنية التحتية والشبكة والخدمة والتطبيق، وباجتماع الأداتين أمكن تقدير تفضيلات المستهلكين تقديرًا كميًا وربطها بإطار تحليلي يساعد على فهم مواضع الأهمية التنظيمية في منظومة إنترنت الأشياء وتحديد الأولويات عند صياغة القواعد المنظمة لها
ثانيًا: أبرز النتائج
أولًا: أظهرت نتائج التقدير أن جميع سمات خدمات إنترنت الأشياء ذات صلة بالمستهلكين المحتملين، فلم تكن أي سمة من السمات المدروسة هامشية في نظرهم، بل حضرت جميعها في تقييمهم للخدمة واختيارهم بين بدائلها، وهو ما يعني أن المستهلك المحتمل يقيّم خدمة إنترنت الأشياء بمنظومة متكاملة من الاعتبارات المتداخلة لا بعامل منفرد، وأن التنظيم الشامل ينبغي أن يراعي هذه السمات مجتمعة وألا يقتصر على سمة واحدة كالخصوصية مهما بلغت أهميتها، فأي قاعدة تنظيمية تتجاهل ما يهم المستهلكين فعلًا تخاطر بفقدان القبول الذي تحتاجه الخدمات الجديدة للانتشار
ثانيًا: برز تطبيق تحليل البيانات الضخمة بوصفه مثالًا على تطبيقات إنترنت الأشياء الأكثر أهمية لدى المستهلكين من حيث الاستعداد الحدي للدفع والأهمية النسبية، فقد أبدى المستهلكون استعدادًا أعلى للدفع مقابل هذا التطبيق مقارنة بغيره من التطبيقات، وهو ما يعكس القيمة الكبيرة التي يولونها للخدمات القائمة على تحليل البيانات واستثمارها
ثالثًا: أظهرت النتائج كذلك أن نوعًا جديدًا من التكامل الرأسي يبدو جذابًا للعملاء المحتملين، إذ لقيت صيغ التكامل بين طبقات الخدمة ومقدميها قبولًا لدى المستهلكين، وهو ما يفتح المجال أمام ترتيبات تنظيمية وتجارية مبتكرة في سوق إنترنت الأشياء لا تصطدم بتفضيلات الجمهور المستهدف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يمكن لصانعي السياسات الاستفادة من هذه النتائج في تطوير سياسات متنوعة لإنترنت الأشياء تستند إلى تفضيلات المستهلكين الفعلية لا إلى الافتراضات وحدها، وفي السعي المتزامن إلى دعم ابتكار تطبيقات إنترنت الأشياء ومعالجة شواغل الخصوصية في آن واحد بدل المفاضلة بين الابتكار والحماية، وفي اعتماد مبادئ تنظيمية غير تمييزية تعامل مقدمي الخدمات بمعايير موحدة لا تفضل طرفًا على آخر، وبذلك تقدم الدراسة أساسًا تجريبيًا لبناء إطار تنظيمي متوازن يشجع الابتكار ويحمي المستهلك ويراعي السمات التي تهمه فعلًا عند تلقي الخدمة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدّرت تفضيلات المستهلكين لبناء تنظيم ملائم لخدمات إنترنت الأشياء باستخدام التحليل المشترك ونموذج الطبقات، فأظهرت أن جميع سمات الخدمة ذات صلة بالمستهلكين المحتملين، وأن تطبيق تحليل البيانات الضخمة يتصدر اهتماماتهم من حيث الاستعداد الحدي للدفع والأهمية النسبية، وأن التكامل الرأسي الجديد جذاب لهم، وهي نتائج تمنح صانعي السياسات قاعدة عملية لصياغة تنظيمات أوسع من نطاق الخصوصية وحده وأقرب إلى تطلعات المستهلكين
