أصبحت الترجمات المرئية بمختلف اللغات أكثر توفرًا وإتاحة في السنوات الأخيرة، بفضل منصات البث مثل نتفليكس التي تمنح المشاهدين خيارات لغوية متعددة تشمل العربية والإنجليزية، غير أن ترجمة التعابير الاصطلاحية تظل من أصعب مهام المترجم المرئي، لما تحمله من خصوصية ثقافية ومعان مجازية لا تقابلها نظائر مباشرة في اللغة الهدف، وتتناول هذه الدراسة استراتيجيات ترجمة الوحدات العبارية المصرية، ولا سيما التعابير الاصطلاحية، إلى الإنجليزية في الأفلام المعروضة على نتفليكس، وما يواجهه المترجمون فيها من تحديات ترتبط بفهم الفروق الدقيقة بين الثقافتين المصدر والهدف
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص استراتيجيات ترجمة التعابير الاصطلاحية المصرية إلى الإنجليزية في الترجمة المرئية، وتتكون المدونة المتوازية للبيانات موضع الفحص من فيلمين مصريين عُرضا عبر المنصة، وقد حلل الباحثان الترجمات المرئية للتعابير الاصطلاحية الواردة في الفيلمين وفق تصنيف بيكر لاستراتيجيات الترجمة، وهو إطار معروف في دراسات الترجمة يتيح تصنيف الحلول التي يلجأ إليها المترجمون عند مواجهة عبارات لا مكافئ مباشر لها، كالاستبدال الثقافي والترجمة الحرفية وغيرهما، بما يمكن من رصد الاستراتيجيات الغالبة والأخطاء المتكررة وأسبابها المحتملة في هذا النوع من الترجمة المقيدة بالصورة والزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر تحليل المدونة المتوازية أنماطًا واضحة في ترجمة التعابير الاصطلاحية المصرية، ويمكن إجمال أبرز النتائج فيما يأتي
١- تُرجمت التعابير الاصطلاحية المدروسة في الغالب الأعم عبر استراتيجية الاستبدال الثقافي، إذ استبدل المترجمون بالعبارة المصرية عبارة أو صورة مألوفة في الثقافة الهدف تحمل أثرًا قريبًا من أثرها الأصلي
٢- رصد التحليل حالات من الترجمة الحرفية الخاطئة، نُقلت فيها التعابير الاصطلاحية كلمة كلمة على نحو أخل بمعناها المجازي وأوقع المشاهد الأجنبي في فهم مغاير للمقصود
٣- حُددت حالات عدة من سوء الترجمة، يمكن أن تُعزى إلى قصور محتمل في فهم الفروق الدقيقة والخفية بين الثقافتين المصدر والهدف، إلى جانب القيود والصعوبات التي تواجه المترجم في إيجاد مكافئات مناسبة للتعابير المشبعة بالخصوصية المحلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
قد تحظى هذه الدراسة بأهمية خاصة لدى ممارسي الترجمة وباحثيها، ولا سيما المهتمين بالترجمة المرئية والترجمة الثقافية وترجمة التعابير الاصطلاحية، إذ تنبه إلى أن الاستبدال الثقافي، وإن كان الحل الغالب والأكثر نجاحًا في نقل أثر التعبير الاصطلاحي، لا يغني عن إتقان المترجم لثقافتي اللغتين معًا، وأن التدريب المتخصص للمترجمين المرئيين ينبغي أن يشمل رصيدًا واسعًا من العبارات الاصطلاحية ومكافئاتها الوظيفية، كما تفيد النتائج منصات البث ومراجعي الجودة في التنبه إلى مواضع الخطورة في ترجمة المحتوى الدرامي المحلي قبل عرضه على جمهور عالمي واسع
وتتضح قيمة هذه النتائج أكثر حين نتذكر أن الترجمة المرئية تعمل تحت قيود صارمة لا يعرفها المترجم النصي، فالمترجم المرئي محكوم بزمن ظهور العبارة على الشاشة وعدد محدود من الأحرف، وبالصورة المرافقة التي قد تدعم المعنى أو تصعبه، ولذلك جاءت أخطاء الترجمة الحرفية وسوء الترجمة التي رصدتها الدراسة مرتبطة في جانب منها بصعوبة إيجاد مكافئات مناسبة داخل هذه القيود، وبقصور فهم الفروق الدقيقة والخفية بين ثقافة المصدر وثقافة الهدف، وهو ما يفتح الباب أمام توصيات عملية في إعداد المترجمين المرئيين، منها بناء قوائم مرجعية بالتعابير الاصطلاحية الشائعة في الدراما المصرية ومكافئاتها الوظيفية في الإنجليزية، وإخضاع الترجمات لمراجعة ثقافية متخصصة قبل البث، بما يرفع جودة المنتج الدرامي المصدر إلى الجمهور العالمي ويحفظ روحه المحلية، ويجعل من ترجمة التعابير الاصطلاحية مجالًا بحثيًا وتطبيقيًا يستحق مزيدًا من الدراسات المقارنة على أفلام ولغات أخرى للتحقق من عمومية الأنماط المرصودة هنا
وخلاصة القول إن ترجمة التعابير الاصطلاحية المصرية إلى الإنجليزية على منصات البث تقوم غالبًا على الاستبدال الثقافي بوصفه أنجع الاستراتيجيات، لكنها لا تسلم من ترجمات حرفية خاطئة وسوء فهم للفروق الثقافية الدقيقة، وهو ما يجعل الكفاءة الثقافية للمترجم شرطًا أساسيًا لعبور الفكاهة والمجاز المحلي إلى المشاهد العالمي دون تشويه
المصدر الأصلي: https://www.nature.com/articles/s41599-024-03327-4
DOI: 10.1057/s41599-024-03327-4
