0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

التشرذم قيدًا جوهريًا على الحوكمة: تحليل لأصحاب المصلحة من منظور الاقتصاد السياسي لإدارة المياه العابرة للحدود في العراق

دراسة تحليلية لأصحاب المصلحة في إدارة المياه العابرة للحدود في العراق بمقابلات مع ثمانية وثلاثين مخبرًا في عشر فئات مؤسسية وتقييم ثلاثة عشر فاعلًا بالقوة والاهتمام وقابلية التنبؤ، تخلص إلى أن التشرذم داخل الدولة قيد جوهري على الحوكمة، وتقترح مجلسًا وطنيًا لتنسيق المياه وأنظمة بيانات ورصد وآليات امتثال مراعية للفاعلين

يتوقف أمن العراق المائي على موارد مائية عابرة للحدود تنبع من دول الجوار، فيتقاطع مصيره المائي مع قرارات تشغيل وإمداد خارج حدوده، غير أن هذا الاعتماد الخارجي ليس القيد الوحيد، إذ يعاني العراق في الداخل مؤسسات متشرذمة وغياب قانون موحد للمياه يوزع الصلاحيات ويحسم التعارضات، فتتشتت المسؤولية بين جهات متعددة يصعب تنسيقها عند الأزمات، ويصبح السؤال الحاكم ليس وفرة المياه وحدها بل قدرة الدولة على التصرف بصوت واحد ومنظومة قرار متماسكة

ومن هذا المنطلق تتجاوز الدراسة الوصف الهيدرولوجي المعتاد لأزمة المياه إلى تحليل الاقتصاد السياسي للفاعلين فيها، إذ توزع القوة والاهتمام وقابلية التنبؤ توزعًا غير متكافئ بين الوزارات والهيئات والمؤسسات الدولية والجهات المحلية والجهات المشغلة في دول المنبع، ولكل فاعل قدرته على تسريع الإصلاح أو تعطيله، ومن ثم فإن أي أجندة إصلاح تتجاهل خريطة هذه القوى تخاطر بأن تبقى حبرًا على ورق مهما سلمت مقاصدها الفنية

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

تهدف الدراسة إلى تحليل التشرذم المؤسسي قيدًا على حوكمة إدارة المياه العابرة للحدود في العراق عبر تحليل أصحاب المصلحة من منظور الاقتصاد السياسي، معتمدة مراجعة مكتبية ومقابلات منظمة مع ثمانية وثلاثين مخبرًا رئيسًا موزعين على عشر فئات مؤسسية في قطاع المياه العراقي، وقد قيمت الدراسة ثلاثة عشر فاعلًا على محاور القوة والاهتمام وقابلية التنبؤ باستخدام إطار تحليل الاقتصاد السياسي المعروف بإطار الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، ورسمت خريطة الفاعلين على مستويي القوة والاهتمام والقوة وقابلية التنبؤ لتحديد من يصلح مرتكزًا لاستراتيجية إصلاح متسلسلة ومن يلزم تصميم التزامات تراعي سلوكه

ثانيًا: أبرز النتائج

١- حدد التحليل وزارة الموارد المائية والبنك الدولي بوصفهما الفاعلين الوحيدين عاليي القوة اللذين يسجلان أيضًا درجات فوق حد قابلية التنبؤ، بما يجعلهما المرشحين الأرجح لارتكاز استراتيجية إصلاح متسلسلة تبدأ من حيث تتوافر القوة والقدرة على الالتزام المتوقع معًا

٢- تجمع وزارة الخارجية ومكتب رئيس الوزراء وحكومة إقليم كردستان بين قوة عالية وقابلية تنبؤ متوسطة فقط، فهي فاعلون لا يمكن تجاوزهم في أي إصلاح، لكن التعامل معهم يستلزم إدارة دقيقة للتوقعات والتفاوض المستمر حول الأدوار والصلاحيات

٣- تجمع الجهتان المشغلتان في دول المنبع، وهما المديرية العامة للأشغال الهيدروليكية في تركيا ووزارة الطاقة في إيران، لا دولتا المنبع بصفتهما المجردة، بين قوة عالية ودرجات منخفضة في قابلية التنبؤ التشغيلي، وتنبه الدراسة إلى أن هذه الدرجات تستند إلى أدلة وثائقية ولم تتحقق خارجيًا، فتقرر بوصفها نتائج مؤقتة تستدعي الحذر

٤- يملك الفاعلون المحليون، مثل المزارعين والسلطات العشائرية، قدرة موثقة على مقاومة التنفيذ أو تعقيده رغم محدودية سلطتهم الرسمية، وإن لم تثبت الأدلة امتلاكهم حق نقض على إصلاحات بعينها، وبوجه عام يتسق توزع الدرجات مع كون التشرذم داخل الدولة ذاتها قيدًا رئيسًا على قدرة العراق على الاستجابة لعدم تماثل القوة مع دول المنبع، وهو في الوقت ذاته القيد الأكثر انفتاحًا على الفعل المحلي لأنه يقع ضمن النطاق المؤسسي العراقي ذاته

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تبني الدراسة على هذا التوزع، وعلى أدبيات الحوكمة لا على الخريطة وحدها، لتقترح بوصفها حجة سياساتية لم تختبرها الدراسة ذاتها أجندة إصلاح متسلسلة تعطي الأولوية لإنشاء مجلس وطني لتنسيق شؤون المياه، والاستثمار في أنظمة البيانات والرصد، وتوظيف انضمام العراق عام 2023 إلى اتفاقية المياه التابعة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا عبر خطوات تدريجية لبناء الثقة، كما تعد آليات الامتثال التي تراعي انخفاض قابلية التنبؤ لدى الفاعلين المحليين وفاعلي المنبع خطوة جوهرية، بمزاوجة إنفاذ القياس والتعريفات والحصص مع حمايات مستهدفة وتحسينات ملموسة في الخدمة، وبدمج الرصد في أنظمة بيانات المجلس المقترح، فتتحول سلطة المجلس إلى التزامات يجد الفاعلون منخفضو قابلية التنبؤ حوافز للوفاء بها

وخلاصة القول إن قيد العراق المائي الأعمق ليس ندرة المياه العابرة للحدود وحدها بل تشرذم مؤسساته في الداخل، وإن إصلاحًا متسلسلًا يبدأ بمجلس تنسيق وطني وأنظمة بيانات ورصد، ويرتكز على الفاعلين عاليي القوة وقابلية التنبؤ، أقدر المسارات على تحويل الحوكمة المائية من ردود أفعال متفرقة إلى قرار وطني متماسك

سلة طلب الرسائل (0)