تتناول هذه الدراسة تحولات المشهد الريفي في ضواحي المدن الكبرى داخل واحدة من أكثر مناطق الصين تطورًا اقتصاديًا، إذ يمر إقليم دلتا نهر اليانغتسي، الذي يضم أجزاء من جيانغسو وتشجيانغ وشنغهاي، بمرحلة نمو اقتصادي سريع، وتبرز في منطقة التقاطع الفريدة بين الوظائف الحضرية والريفية تناقضات واضحة، فالوظائف الإنتاجية والمعيشية والإيكولوجية للمشهد الريفي الضاحي أخذت تشكل علاقات جديدة من المقايضة والتآزر فيما بينها، فحين تتقدم وظيفة قد تتراجع أخرى، وحين تتكامل وظيفتان قد يعزز كل منهما الأخرى، وتختار الدراسة مقاطعة جياشان التابعة لمدينة جياشينغ في مقاطعة تشجيانغ حالة ممثلة، لما تتمتع به من مزايا موقعية وتنمية اقتصادية داخل منطقة العرض المتكامل الأخضر الإيكولوجي لدلتا نهر اليانغتسي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم الوضع الراهن لوظائف الإنتاج والمعيشة والإيكولوجيا في المناطق الريفية الضاحية بدلتا نهر اليانغتسي، وتوفير دعم بالبيانات لقرارات التخطيط المستقبلية في الإقليم، واتخذت من المشهد الريفي الضاحي في جياشان موضوعًا للبحث، مستخدمة تحليل الارتباط الرتبي الزماني وتحليل الارتباط الذاتي المكاني ثنائي المتغير، لاستكشاف خصائص تطور المشهد الريفي الضاحي في جياشان خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2020، وهي فترة شهدت تحولات اقتصادية وعمرانية عميقة، وقد تتبع التحليل كيفية تغير كل وظيفة عبر الزمن، وطبيعة العلاقات المتبادلة بين الوظائف عبر المكان، ومدى اختلاف مسارات الشوارع والبلدات داخل المقاطعة في هذا التطور
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أدى النمو الخطي في وظيفتي الإنتاج والمعيشة في مناطق جياشان الريفية إلى تراجع الوظائف الإيكولوجية، وقد غدت الوظائف المعيشية هي الغالبة بين وظائف المشهد الريفي الضاحي خلال فترة الدراسة
النتيجة الثانية: توجد بين الوظائف المختلفة للمشهد الريفي الضاحي في جياشان علاقات مقايضة وعلاقات تآزر في آن واحد، ويغلب على نمط التغير الزمني لهذه العلاقات طابع المقايضة، أي إن تقدم وظيفة كثيرًا ما جاء على حساب وظيفة أخرى
النتيجة الثالثة: أظهرت علاقات المقايضة والتآزر متعددة الوظائف في المشهد الريفي الضاحي بمقاطعة جياشان تباينًا واضحًا في النمط المكاني، واختلفت الشوارع والبلدات في كيفية تطورها ومساراتها
النتيجة الرابعة: تؤثر السياسات ذات الصلة ببناء مناطق العرض الشامل الأخضر الإيكولوجي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإيكولوجية لإقليم الدلتا، بما ينتج فروقًا جوهرية في أنواع العلاقات الوظيفية واتجاهات تطورها المكاني والزماني من موضع إلى آخر
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقتضي هذه النتائج اتخاذ تدابير موجهة بحسب الظروف المحلية لكل بلدة وشارع، بدل تطبيق سياسة موحدة على المقاطعة كلها، وذلك لتوجيه التنمية المنسقة لوظائف المشهد الريفي، فالمناطق التي تراجعت فيها الوظيفة الإيكولوجية بحدة تحتاج حماية وتعويضًا إيكولوجيًا، والمناطق التي تحقق تآزرًا بين الإنتاج والمعيشة يمكن تعزيز تجربتها، كما تفيد النتائج مخططي دلتا نهر اليانغتسي ببيانات عن كلفة النمو الاقتصادي السريع على المنظومات الإيكولوجية الريفية، وتنبه إلى أن هيمنة الوظيفة المعيشية لا ينبغي أن تستمر على حساب التوازن البيئي، وتقدم حالة جياشان درسًا قابلًا للتعميم على أقاليم سريعة التحضر تواجه التوتر ذاته بين الإنتاج والمعيشة والبيئة
ويعين على فهم هذه الصورة أن مقاطعة جياشان ليست حالة معزولة، بل عينة مبكرة لما تواجهه أرياف الضواحي الصينية كلها مع تسارع التحضر، فالأرض الريفية القريبة من المدن تتنازعها مطالب الإنتاج الزراعي والصناعي والسكن والخدمات والحفاظ البيئي في مساحة محدودة، وحين تغيب إدارة واعية لعلاقات المقايضة يتراكم التراجع الإيكولوجي بصمت حتى يصعب تعويضه، أما حين تُرصد العلاقات مكانيًا وزمانيًا كما فعلت الدراسة فيمكن التدخل المبكر في البؤر الأشد توترًا، وتوجيه التعويض الإيكولوجي إلى حيث تشتد الحاجة، وبذلك تقدم الدراسة أداة تشخيص تصلح لمراقبة صحة المشهد الريفي باستمرار
وخلاصة القول إن وظائف الإنتاج والمعيشة في ريف جياشان الضاحي نمت خطيًا على حساب الوظيفة الإيكولوجية خلال عقدين، وغلبت علاقات المقايضة على علاقات التآزر مع تباين مكاني واضح، بما يستدعي تدابير تخطيطية متمايزة بحسب الظروف المحلية لقيادة تنمية منسقة لوظائف المشهد الريفي
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/16/17/7439
DOI: 10.3390/su16177439
