اختارت تايلاند في رؤيتها طويلة الأجل لتطوير السياحة الممتدة من عام 2017 إلى عام 2036 أن تركز على تطوير ما تسميه السياحة عالية الجودة، مفترضة أن هذا النمط سيمكنها من تحقيق تنمية سياحية مستدامة ومن اقتسام أكثر شمولا للعوائد التي تولدها السياحة بين فئات المجتمع، غير أن استخدام مصطلح السياحة عالية الجودة ما يزال غامضا من الناحية المفاهيمية، فلا يعرف بدقة ما الذي يجعل السياحة عالية الجودة، كما تبقى الوسائل التي سيتيح بها هذا النمط اقتساما أكثر شمولا للثروة غير واضحة المعالم ولا محددة الأدوات
وتتخذ الدراسة من جزيرة بوكيت السياحية حالة للدراسة، فتتساءل عن كيفية تجسد السياحة عالية الجودة على أرض الجزيرة فعليا، وعن أثر هذا التجسد في تشكيل علاقات القوة بين سلاسل الفنادق الدولية الكبرى ومشغلي الفنادق المحليين فيما يتصل بتطوير السياحة، فإذا كانت السياسات المعلنة باسم الجودة والاستدامة تصب عمليا في صالح كبار الفاعلين، فإن وعد الشمول قد يتحول إلى غطاء لمزيد من تركز الثروة، وهو احتمال يستحق الفحص الميداني الدقيق الذي يقوم به هذا البحث بالاستناد إلى أدلة متعددة المصادر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى مساءلة كيفية تجسد السياحة عالية الجودة في جزيرة بوكيت وأثر هذا التجسد في موازين القوة بين الفاعلين السياحيين، وتستند إلى إطار الاقتصاد السياسي النقدي الذي يقرأ السياسات في ضوء مصالح الأطراف وقدراتها غير المتكافئة، وتعتمد منهجية نوعية تقوم على تثليث أدوات جمع البيانات بين الوثائق الرسمية والمقابلات شبه المنظمة والملاحظة بالمشاركة، بما يتيح مقابلة الخطاب الرسمي بالممارسات الفعلية على الأرض، والتحقق من الفرضية القائلة بأن السياحة عالية الجودة كما طبقت أقرب في حقيقتها إلى السياحة الفاخرة منها إلى السياحة المستدامة الشاملة
ثانيًا: أبرز النتائج
١- رغم تبرير السياحة عالية الجودة في بوكيت بوصفها صورة من صور السياحة المستدامة، فإن تجسدها الفعلي على أرض الجزيرة أقرب إلى السياحة الفاخرة الموجهة إلى شرائح الزوار مرتفعة الإنفاق وقدرات الاستهلاك العالية
٢- أدى هذا التجسد إلى تركز أكبر للثروة بيد سلاسل الفنادق الدولية الكبرى والمجموعات العقارية، بدل أن يقود إلى توزيع أكثر عدالة لعوائد السياحة كما تعد الرؤية الرسمية
٣- استفادت هذه السلاسل والمجموعات من السياسات المرتبطة بالسياحة عالية الجودة في تعزيز محافظها الاستثمارية وتوسيع حضورها في الجزيرة، محولة الخطاب التنموي إلى فرصة لأعمالها
٤- جاء هذا التوسع على حساب أصحاب المصلحة المحليين ومشغلي الفنادق المحليين، الذين تراجع موقعهم في تشكيل تطوير السياحة وفي اقتسام عوائدها قياسا بالفاعلين الدوليين الكبار
٥- يكشف التباين بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية أن غموض مفهوم السياحة عالية الجودة ذاته يتيح إعادة توجيه منافع السياسات نحو الفاعلين الأقوى في السوق، ما لم يقترن المفهوم بمعايير وضمانات توزيعية صريحة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبه النتائج صناع السياسات السياحية إلى أن تسمية النمط السياحي بالجودة أو الاستدامة لا تضمن عدالة آثاره، وأن تحديد المفهوم إجرائيا وربطه بمؤشرات قابلة للرصد والمساءلة شرط لئلا تتحول سياسات الجودة إلى أدوات لتركيز الثروة، كما تفيد المجتمعات المحلية والباحثين بمنظور نقدي يقيم السياسات بآثارها التوزيعية الفعلية لا بشعاراتها المعلنة، ويدعو إلى ضمانات مؤسسية تحمي موقع المشغلين المحليين في قرارات تطوير الوجهات وفي اقتسام منافع هذا التطوير
وتتجاوز دلالة حالة بوكيت حدود الجزيرة ذاتها إلى وجهات كثيرة تتبنى شعارات مماثلة في الجودة والاستدامة، إذ يكشف تحليلها أن سؤال العدالة التوزيعية لا ينفصل عن سؤال تعريف النمط السياحي ذاته، فمن يملك وضع التعريف يملك عمليا توجيه المنافع نحو من يشاء، ولذلك يصبح فتح نقاش عام حول معنى الجودة ومؤشراتها، بمشاركة المجتمعات المضيفة والمشغلين المحليين، شرطا تنمويا ومؤسسيا في آن واحد قبل إقرار السياسات وتعميمها على الوجهات الأخرى
وخلاصة القول إن السياحة عالية الجودة في بوكيت تجسدت سياحة فاخرة زادت تركز الثروة لدى السلاسل الدولية والمجموعات العقارية على حساب الفاعلين المحليين، بما يفرض إعادة تعريف المفهوم وحوكمة تطبيقه
