تتناول هذه الدراسة التغيرات اللغوية التي طرأت على صحافة الأعمال في المملكة العربية السعودية عبر مراحل رؤية 2030، بوصفها نافذة على تطور الخطاب الاقتصادي الوطني، إذ تنطلق من ملاحظة أن التحولات الاقتصادية والتنموية الكبرى لا تنعكس في مضامين الخطاب وحدها، بل تمتد إلى بنيته اللغوية وأساليبه في عرض المعلومات وبناء الحجة ومخاطبة القارئ، ومن هنا تكتسب دراسة السجل اللغوي أهمية خاصة بوصفها مدخلًا كميًا دقيقًا لرصد كيفية تطور الخطاب الإعلامي الاقتصادي مواكبة لمراحل التحول الوطني، وتستند الدراسة في تحليلها إلى إطار بيبر متعدد الأبعاد الذي يمثل أحد أبرز مناهج تحليل السجل اللغوي القائمة على المدونات النصية، ويتيح هذا الإطار قياس خصائص النصوص وموازنتها عبر أبعاد لغوية محددة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كانت الأخبار الاقتصادية المنشورة باللغة الإنجليزية في المملكة العربية السعودية قد تغيرت عبر المراحل الزمنية لرؤية 2030، وشمل الفحص خمسة أبعاد نصية هي الكثافة المعلوماتية، والتوجه السردي، والوضوح والاعتماد على السياق، والإقناع الصريح، والأسلوب المجرد غير الشخصي، واعتمدت الدراسة مدونة لغوية مكونة من 571 نصًا من أخبار الأعمال جُمعت من ثلاث وسائل إعلامية هي صحيفة عرب نيوز، وصحيفة سعودي جازيت، ووكالة الأنباء السعودية، وقُسمت النصوص إلى ثلاث فترات زمنية تمثل المرحلة المبكرة من الرؤية بين عامي 2016 و2018، والمرحلة المتوسطة بين عامي 2020 و2022، والمرحلة الحديثة بين عامي 2024 و2026، وأُعد كل نص في صورة عينة تحليلية مكونة من 400 وحدة نصية بما يضمن تجانس وحدات التحليل وقابليتها للمقارنة، ثم وُسمت الخصائص اللغوية متعددة الأبعاد في كل نص وعُيّرت وحُسبت درجاته على أبعاد بيبر الخمسة، واستُخدم في التحليل تحليل التباين الأحادي واختبار ليفين لفحص تجانس التباين واختبارات ويلش وبراون وفورسيث المتينة، كما استُخدم اختبار توكي للمقارنات البعدية لتحديد مواضع الفروق الدالة بين الفترات الثلاث
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر البعد الأول الخاص بالكثافة المعلوماتية والبعد الرابع الخاص بالإقناع الصريح أقوى صور التغير اللغوي عبر الفترات الثلاث المدروسة، فقد أصبحت صحافة الأعمال السعودية أكثر معلوماتية بصورة جوهرية كلما تقدمت مراحل الرؤية، بما يعكس ازدياد كثافة المعلومات والبيانات في النص الخبري الاقتصادي
2- تراجعت علامات الإقناع الصريح والتوجه الجدلي في النصوص تراجعًا دالًا عبر الفترات، بما يشير إلى ابتعاد الخطاب الاقتصادي عن الأسلوب الحجاجي المباشر، ويعني هذا التراجع أن النصوص باتت تعرض الحقائق والمعلومات بدرجة أكبر من محاولة استمالة القارئ إلى موقف أو تقييم بعينه
3- أبدى البعد الثاني الخاص بالتوجه السردي والبعد الثالث الخاص بالوضوح والاعتماد على السياق تباينًا محدودًا ارتبط بفترات زمنية محددة، فلم يكن تغير هذين البعدين مطردًا عبر المراحل كلها، بل ظهر في فترات بعينها دون غيرها وبدرجة أقل وضوحًا من البعدين الأول والرابع
4- ظل البعد الخامس الخاص بالأسلوب المجرد غير الشخصي مستقرًا على نطاق واسع عبر الفترات الثلاث، فلم يشهد تغيرًا جوهريًا يوازي ما حدث في الكثافة المعلوماتية والإقناع الصريح، وتشير الصورة العامة للنتائج إلى انتقال صحافة الأعمال السعودية من أسلوب أكثر إقناعًا وطابعًا تنمويًا في المرحلة المبكرة من الرؤية إلى سجل لغوي أكثر معلوماتية ومؤسسية وتوجهًا نحو التقارير في المرحلة الحديثة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة لبحوث الخطاب الإعلامي والتحليل اللغوي التطبيقي، إذ تقدم الدراسة إسهامًا في مجال تحليل السجل اللغوي القائم على المدونات النصية عبر تطبيق الإطار متعدد الأبعاد على سياق صحفي اقتصادي سعودي يُكتب باللغة الإنجليزية، كما تثري الدراسة بحوث خطاب الإعلام السعودي بتوثيق كمي دقيق لكيفية مواكبة لغة الصحافة الاقتصادية لمراحل التحول الوطني الكبرى، وتفيد الدراسة العاملين في التحرير الصحفي الاقتصادي وصناع المحتوى المؤسسي في فهم الاتجاه المتنامي نحو الأسلوب المعلوماتي المؤسسي في الكتابة الاقتصادية، إذ تساعدهم على تطوير ممارسات تحريرية تتسق مع مرحلة تتطلب خطابًا اقتصاديًا دقيقًا رصينًا يعطي الأولوية لعرض المعلومات والبيانات على حساب الإقناع الصريح
وخلاصة القول إن صحافة الأعمال السعودية شهدت خلال عقد رؤية 2030 تحولًا لغويًا ملموسًا قاده ازدياد الكثافة المعلوماتية وتراجع الإقناع الصريح، فقد انتقلت من أسلوب إقناعي تنموي غلب على مرحلتها المبكرة إلى سجل مؤسسي معلوماتي يوجهه عرض التقارير والحقائق، وهو تحول يوثق بالتحليل الكمي العلاقة الوثيقة بين التغير الاقتصادي الوطني وتطور لغة خطابه الإعلامي عبر الزمن
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-0760/15/10/695
DOI: 10.3390/socsci15100695
