كثيرًا ما تذكرنا النظرية النفسية بأن أفضل منبئ بالسلوك المستقبلي للفرد هو سلوكه السابق، ثم حلت الجائحة في عام 2020 فبدا أن كل شيء تغير في سلوك السفر واستهلاك السياحة على الأقل، وهو ما أكد أهمية إعادة تقييم المنبئات التي تفسر قرارات السفر، وتهدف هذه الدراسة إلى مقارنة تاريخ سلوك السفر واستهلاك السياحة بالسلوك المتوقع لدى طلبة ينتمون إلى الجيل زد، مع فحص خصائص داخل الشخصية تؤثر في إدراك المخاطر مثل المرونة النفسية والشعور المدرك بانعدام التعرض للخطر، بما يعيد بناء فهم دوافع السفر بعد صدمة الجائحة
وتنبع أهمية الدراسة من أن الجيل زد يمثل كتلة متنامية من السياح المستقبليين، وأن تغير اتجاهات أفراده نحو السفر إيجابًا أو سلبًا يعيد تشكيل الطلب السياحي لسنوات قادمة، فإذا كان سلوكهم السابق لم يعد منبئًا كافيًا بعد الجائحة أصبح لزامًا البحث في الخصائص النفسية التي تميز من غيروا اتجاهاتهم ممن ثبتوا عليها، وفي مقدمتها المرونة النفسية التي قد تفسر القدرة على إعادة احتضان السفر رغم المخاطر المدركة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى مقارنة تاريخ سلوك السفر واستهلاك السياحة بالسلوك المتوقع للسفر لدى طلبة من الجيل زد، وإلى فحص الخصائص داخل الشخصية المؤثرة في إدراك المخاطر وهي المرونة النفسية والشعور المدرك بانعدام التعرض للخطر، وقارنت الدراسة بين مجموعات الطلبة بحسب تغير اتجاههم نحو السياحة أو ثباته أثناء الجائحة، وبين من خططوا للسفر أكثر ومن ثبتوا على سلوك عدم السفر، وبحثت في الفروق بين العينات الفرعية في متوسطي المرونة النفسية والشعور المدرك بانعدام التعرض للخطر، وفي نسب من يتوقعون السفر إلى الخارج لأغراض غير سياحية ممن لم يسبق لهم السفر قبل الجائحة
ثانيًا: أبرز النتائج
١- غيرت الجائحة الاتجاه نحو السفر للأغراض السياحية في الاتجاهين الإيجابي والسلبي معًا، فأعادت هيكلة الاتجاه لدى الأغلبية وكشفت عن مسافرين محتملين جدد كثيرين
٢- كانت المرونة النفسية متغيرًا دالًا ميز بين المستجيبين الذين غيروا اتجاههم نحو السياحة ومن ثبتوا على سلوك عدم السفر والطلبة الذين خططوا للسفر أكثر أثناء الجائحة
٣- اختلفت العينات الفرعية أيضًا في متوسط الشعور المدرك بانعدام التعرض للخطر، غير أن هذا المتغير لم يثبت دالًا إحصائيًا
٤- قرابة نصف الطلبة الذين توقعوا أنهم سيسافرون إلى الخارج لأغراض غير سياحية في العام المقبل كانوا ممن لم يسافروا إلى الخارج قبل الجائحة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج الجهات السياحية والجامعات في فهم سلوك الجيل زد بعد الجائحة، فالمرونة النفسية عامل يمكن البناء عليه في تصميم رسائل تسويقية وتجارب سفر تراعي حساسية المخاطر لدى الشباب، كما أن ظهور شريحة واسعة من المسافرين الجدد المحتملين ممن لا تاريخ سفر لهم يفتح سوقًا لمقدمي الخدمات السياحية متى خاطبوه بمنتجات تناسب أولى تجاربهم، وينبه غياب دلالة الشعور بانعدام الخطر إلى أن تفسير قرارات السفر الشبابية لا يختزل في الجرأة أو التهور بل في القدرة النفسية على التكيف
وتفسر الدراسة هذا التحول بأن الجائحة لم تكن حدثًا صحيًا عابرًا في حياة هذا الجيل بل تجربة فارقة أعادت ترتيب أولوياته ونظرته إلى المخاطر والسفر، فمن الشباب من اكتشف في فترة التوقف قيمة التنقل فعاد إليه بشغف أكبر، ومنهم من رسخ لديه النفور أو الحذر، وفي الحالتين لم يعد السلوك السابق مؤشرًا كافيًا، كما أن بروز مسافرين محتملين لم يغادروا بلدانهم من قبل ضمن من يخططون للسفر لأغراض غير سياحية يعني أن سوق السفر الشبابي لم يستعد تشكيلته القديمة فحسب بل استقبل وافدين جددًا تتطلب مخاطبتهم فهمًا جديدًا لدوافعهم ومخاوفهم
وخلاصة القول إن الجائحة كسرت قاعدة التنبؤ بالسلوك المستقبلي من السلوك السابق في مجال السفر والسياحة، وأبرزت المرونة النفسية عاملًا حاسمًا في إدراك المخاطر وقرارات السفر لدى الجيل زد، بما يستدعي من الباحثين والممارسين إعادة تقييم منبئات الطلب السياحي الشبابي في عالم ما بعد الجائحة
