تُعد ظاهرة المحتال خبرة نفسية شائعة بين طلبة الجامعات يشعر فيها الفرد بأنه يخادع الآخرين بشأن كفاءته ويخشى انكشاف أمره رغم أدلة النجاح المحيطة به، ويُعد مقياس ليري لظاهرة المحتال أداة وجيزة راسخة لتقويم هذه الخبرة في الأدبيات العالمية، غير أنه لا تتوافر حتى الآن نسخة عربية محققة منه يمكن الاعتماد عليها في البيئات الجامعية العربية، ومن هنا سعت الدراسة إلى ترجمة المقياس وتكييفه ثقافيًا وتقويم خصائصه السيكومترية لدى طلبة الجامعات الناطقين بالعربية في المملكة العربية السعودية، تمهيدًا لإتاحته أداة بحثية وإرشادية قصيرة تقيس هذه الظاهرة بدقة مقبولة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إعداد النسخة العربية من مقياس ليري لظاهرة المحتال وتقويم بنائها وصدقها وثباتها، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا للتحقق شمل طلبة جامعيين ناطقين بالعربية في المملكة العربية السعودية أكملوا المقياس العربي ومقاييس مقارنة لظاهرة المحتال والكفاءة الذاتية والكمالية، واشتمل التقويم السيكومتري على الاتساق الداخلي، والتحليل العاملي الاستكشافي والتوكيدي، والصدق البنائي والمتزامن، وثبات إعادة الاختبار، واستخدمت في التحليل العاملي الاستكشافي الارتباطات متعددة الأوجه الملائمة لطبيعة بنود المقياس الترتيبية، كما قيست مطابقة النموذج العاملي بمؤشرات مطابقة متعددة للتحقق من البنية المستخرجة بصورة متكاملة
واعتمدت الدراسة في تكييف المقياس على إجراءات ترجمة وتكييف ثقافي تضمن ملاءمة البنود للسياق العربي الجامعي، مع إبقاء البنية الأصلية للمقياس الوجيز كما هي حتى تبقى المقارنة مع الأدبيات العالمية ممكنة، وهو توازن دقيق بين الأصالة الثقافية والوفاء للأداة الأصلية تتطلبه دراسات التحقق السيكومتري عبر الثقافات
ثانيًا: أبرز النتائج
شملت التحليلات السيكومترية 185 مشاركًا ببيانات مكتملة للمقياس، وأظهرت النسخة العربية اتساقًا داخليًا ممتازًا بلغ معامل ألفا كرونباخ 0.93 ومعامل أوميغا ماكدونالد 0.93، ودعمت مؤشرات قابلية التحليل إجراء التحليل العاملي، إذ بلغ مؤشر كايزر ماير أولكين 0.90 وبلغ اختبار بارتليت للكروية قيمة كاي تربيع بدرجات حرية 21 مقدارها 1536.59 وبدلالة إحصائية أقل من 0.001، وأيد التحليل العاملي الاستكشافي بنية أحادية العامل بتشبعات تراوحت بين 0.81 و0.94 وقيمة ذاتية مقدارها 5.45، وفي التحليل التوكيدي كانت التشبعات المقدرة بحرية دالة إحصائيًا عند مستوى أقل من 0.001 وتراوحت المعيارية منها بين 0.78 و1.00، وبلغت قيمة كاي تربيع بدرجات حرية 14 مقدارها 105.39 ومؤشر المطابقة المقارن 0.91 ومؤشر تاكر لويس 0.87 وجذر متوسط مربع خطأ التقريب 0.19 بفاصل ثقة عند 90 في المئة بين 0.16 و0.22 وجذر متوسط مربع البواقي المعياري 0.06، وارتبط المقياس ارتباطًا موجبًا قويًا بمقياس كلانس لظاهرة المحتال بصيغتيه ذاتي العشرين بندًا بقيمة 0.76 والعشرة بنود بقيمة 0.77 وبالمقياس المختصر ذي البنود الثلاثة بقيمة 0.66، بينما كانت ارتباطاته أضعف بالكفاءة الذاتية العامة بقيمة 0.20 وبالكمالية بين 0.16 و0.18، أما ثبات إعادة الاختبار فكان متوسطًا لدى 14 مشاركًا أعيد اختبارهم بعد فترة من أسبوع إلى أربعة أسابيع، إذ بلغ معامل ارتباط بيرسون 0.65 ومعامل الارتباط داخل الفئة 0.65
وتعطي صورة الارتباطات معنى إضافيًا للصدق البنائي، فالارتباط القوي بمقاييس ظاهرة المحتال المعروفة يؤكد أن النسخة العربية تقيس الظاهرة ذاتها، بينما ضعف ارتباطها بالكفاءة الذاتية العامة والكمالية يدل على أنها لا تختزل فيهما رغم صلتها النظرية بهما، أما توسط ثبات إعادة الاختبار فيشير إلى أن خبرة المحتال قد تتقلب نسبيًا عبر الأسابيع أو أن صغر عينة الإعادة يحد من دقة التقدير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن النسخة العربية من مقياس ليري أظهرت اتساقًا داخليًا عاليًا وأدلة أولية واعدة على الصدق بوصفها مقياسًا وجيزًا لظاهرة المحتال لدى طلبة الجامعات الناطقين بالعربية، مع بقاء بعض مؤشرات مطابقة البنية العاملية دون المستوى الأمثل، وهو ما يستدعي مزيدًا من التقويم لبنيتها العاملية واستقرارها الزمني في مجتمع أوسع قبل تعميم استخدامها، وتفيد هذه النتيجة الباحثين والممارسين في الإرشاد الجامعي إذ تتيح أداة قصيرة بالعربية لرصد خبرة المحتال وربطها بمتغيرات أكاديمية ونفسية، بما يدعم دراسات عربية لاحقة وبرامج دعم موجهة للطلبة الذين يعانون هذه الخبرة في مسيرتهم الجامعية
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت أول نسخة عربية محققة سيكومتريًا من مقياس ليري لظاهرة المحتال، بثبات داخلي ممتاز وأدلة صدق أولية مشجعة وبحاجة إلى مزيد من التحقق البنائي والزمني، بما يشكل خطوة عملية نحو قياس هذه الظاهرة النفسية بأدوات عربية معتمدة في البيئة الجامعية العربية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
