يروج للسياحة كثيرا بوصفها محركا تنمويا قادرا على توزيع الدخل والفرص على المناطق الأقل حظا والأبعد عن المراكز الكبرى، غير أن هذه الصورة المتفائلة تحتاج إلى اختبار تجريبي دقيق يبين من يستفيد فعلا من نمو القطاع وأين تتركز منافعه الاقتصادية، فقد تتركز المؤسسات السياحية الكبرى في مناطق بعينها وتجذب أجورا أعلى وكفاءات أكبر بينما تبقى مناطق أخرى بمؤسسات صغيرة وأجور متدنية، فيعيد القطاع إنتاج الفوارق الإقليمية بدل تقليصها وتجسيرها، وتقدم البرتغال حالة دالة لهذا الاختبار بما تضمه من تباين واضح بين مناطقها في البنية السياحية ومستويات الأجور، وبما تتيحه بياناتها الرسمية الموثقة من تتبع زمني ممتد عبر عقد كامل من التحولات السياحية والاقتصادية، ويتزامن ذلك مع نقاش أوروبي أوسع حول استدامة النمو السياحي وحدوده الاجتماعية، فلم يعد السؤال كم يدر القطاع من دخل وإيرادات بل لمن يذهب هذا الدخل وأين يتركز ومن يتحمل كلفته من ارتفاع الأسعار والازدحام وتغير طابع الأحياء والمدن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تستكشف الدراسة الفوارق الإقليمية في قطاع السياحة في البرتغال بين عامي 2012 و2022 بهدف فهم كيفية ارتباط التوزيع المكاني للمؤسسات السياحية ونمطها وحجمها بديناميات الأجور الإقليمية عبر الزمن، واتبعت الدراسة مقاربة كمية استندت إلى بيانات ثانوية مستمدة من وزارة العمل وبنك البرتغال تضمنت معلومات عن خصائص الأعمال ومتوسط أجور العاملين عبر مناطق المستوى الثاني من التصنيف الإقليمي الأوروبي، ووظفت الدراسة مزيجا من الأدوات التحليلية شمل الإحصاءات الوصفية ونماذج انحدار الآثار المختلطة الخطية وتحليل السلاسل الزمنية واختبارات تحليل التباين، بما أتاح التقاط التباينات الزمنية والإقليمية معا وتفسير تفاعلهما في تشكيل نتائج القطاع
ثانيًا: أبرز النتائج
١- كشفت النتائج تركزا ملحوظا للمؤسسات السياحية الأكبر حجما في لشبونة والشمال والغارف، وهي المناطق ذاتها التي تميل الفوارق المستمرة في الأجور إلى محاباتها على حساب غيرها
٢- استمرت فوارق الأجور بين المناطق طوال فترة الدراسة بما يعكس توزيعا مكانيا غير متكافئ لمنافع النشاط السياحي وعوائده الاقتصادية
٣- ارتفع متوسط الأجور عموما عبر الفترة المدروسة، لكنه ظل غير كاف في المناطق ذات كلفة المعيشة المرتفعة، بما يثير قلقا جديا بشأن قدرة السياحة على إعادة التوزيع وتحقيق عدالة إقليمية
٤- تقدم الدراسة أدلة تجريبية على أن السياحة قد تفاقم عدم المساواة الإقليمية بدل أن تحد منها، حين تتركز مؤسساتها الكبرى وأجورها الأعلى في مناطق محدودة دون غيرها، وبذلك يعيد القطاع عبر آلياته التلقائية إنتاج الخريطة الإقليمية ذاتها التي يفترض أن يعالجها ويوازن بين أطرافها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز النتائج البعد الإقليمي للنتائج الاقتصادية للسياحة وتفيد صناع السياسات بأن التوسع السياحي الكمي لا يضمن وحده تنمية إقليمية متوازنة ما لم ترافقه سياسات توزيعية واعية تراعي توزيع المؤسسات والأجور بين المناطق المختلفة، فتصميم حوافز مدروسة للاستثمار السياحي في المناطق الأقل استفادة وربط نمو القطاع بتحسين أجور العاملين في المناطق مرتفعة الكلفة شرطان لاستعادة السياحة وظيفتها التنموية الشاملة، كما تسهم الدراسة في بناء فهم نظري أكثر دقة للتنمية التي تقودها السياحة ببيانها أن أثر القطاع التنموي يتحدد بتوزيعه المكاني وانتشاره الجغرافي لا بحجمه الإجمالي وحده، وينبه ذلك مخططي السياحة إلى أن تسويق مقاصد جديدة في مناطق مهمشة لا يكفي إن لم تصاحبه استثمارات في البنية التحتية والمهارات ترفع حجم المؤسسات المحلية وجودة وظائفها، فالعدالة الإقليمية تتحقق حين تشارك المناطق الأقل حظا في خلق القيمة السياحية وتملك أدواتها، لا حين تكون مجرد مسرح لنشاط تملكه وتديره رؤوس أموال قادمة من خارجها
وخلاصة القول إن تجربة البرتغال خلال عقد كامل تبين أن السياحة قد تعمق الفوارق الإقليمية حين تتركز منافعها مكانيا في مناطق محدودة، وإن سياسات واعية بالتوزيع الإقليمي للأجور والمؤسسات شرط ضروري لتحويل القطاع إلى أداة تنمية إقليمية عادلة ومتوازنة
