يضع التشريع الألماني هدفين لتركيزات النيتروجين النهرية في روافد بحر الشمال وبحر البلطيق، إضافة إلى عتبات فوسفور خاصة بأنواع الأنهار، وقد اشتُقت الأهداف الخاصة ببحر البلطيق وعتبات الحالة الجيدة من مدخلات نهرية وجوية نموذجية نحو عام 1880، لكن الموازنة المحسوبة للنيتروجين اختلفت بين التطبيقات النموذجية لبحر الشمال وبحر البلطيق، وهو اختلاف يثير شكوكًا حول كفاية الأهداف القائمة لبحر الشمال في تحقيق الأهداف البيئية، وفقًا لتحليلات نموذجية وبيانية حديثة، بما يجعل مراجعة هذه الأسس التاريخية ضرورة علمية وتشريعية معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة مقاربة موحدة لنمذجة مدخلات المغذيات إلى البحار الألمانية نحو عام 1880، فنمذجت الانبعاثات والتركيزات والأحمال من النيتروجين الكلي والفوسفور الكلي لأحواض الأنهار الداخلة إلى بحر الشمال الألماني وبحر البلطيق، ثم ناقشت النتائج في سياق المتطلبات الأكثر صرامة اللازمة لتحقيق الأهداف البيئية في بحر الشمال، بهدف فحص اتساق التطبيقات النموذجية الألمانية مع التطبيقات الإقليمية، وتقييم ما إذا كانت الظروف التاريخية تصلح أساسًا للعتبات المرجعية الحالية
ثانيًا: أبرز النتائج
١، بلغت المدخلات النهرية التاريخية إلى بحر الشمال 180 ألف طن من النيتروجين سنويًا و4.20 آلاف طن من الفوسفور سنويًا، بينما بلغت إلى بحر البلطيق 22 ألف طن من النيتروجين سنويًا و0.45 ألف طن من الفوسفور سنويًا، وهي أحمال تقابل متوسطات تركيز سنوية بلغت 1.36 ملليغرام نيتروجين لكل لتر و0.032 ملليغرام فوسفور لكل لتر في بحر الشمال، و1.11 ملليغرام نيتروجين لكل لتر و0.022 ملليغرام فوسفور لكل لتر في بحر البلطيق
٢، جاءت تركيزات النيتروجين النموذجية عند مصبات الأنهار أقل من نتائج النماذج الألمانية السابقة، لكنها تجاوزت التركيزات المرجعية المنشورة، وهو ما يبين أن الظروف التاريخية كانت أعلى من الظروف المرجعية، بما يقوض صلاحيتها أساسًا مباشرًا للعتبات
٣، توافقَت النتائج جزئيًا مع التركيزات القائمة على البيئة لروافد بحر الشمال الرئيسة والمستندة إلى احتياجات الخفض المنشورة، بما يدعم التوجه نحو أهداف أكثر صرامة لبحر الشمال
٤، أكدت التركيزات النموذجية عند المصبات عدم اتساق التطبيقات النموذجية الألمانية مع التطبيقات الإقليمية، بما يبين وجود خلل منهجي يحتاج إلى معالجة قبل اعتماد أي عتبات جديدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعم نتائج الدراسة هدف نيتروجين أكثر صرامة على مستوى الحوض كله لبحر الشمال، وعتبات أكثر صرامة للحالة الجيدة للمياه الساحلية والبحرية، وتدعو إلى مراجعة الهامش المضاف البالغ 50 في المئة إلى التركيز التاريخي للحالة البيئية الجيدة في كلا الحوضين، إذ تشير التركيزات المستهدفة القائمة على البيئة إلى أن هامشًا لا يتجاوز 30 في المئة قد يكون مقبولًا لروافد بحر الشمال، بما يقابل 1.8 ملليغرام نيتروجين لكل لتر، مع التنبيه إلى أن أي مراجعة للتشريع الألماني ينبغي أن تقر بعدم اليقين المتأصل في النمذجة التاريخية، وأن توازن بين الطموح البيئي ودقة الأدوات المتاحة
ويفرض عدم اليقين المتأصل في النمذجة التاريخية تواضعًا منهجيًا في التعامل مع النتائج، فإعادة بناء مدخلات عام 1880 تعتمد على بيانات ناقصة وافتراضات لا يمكن التحقق منها بالكامل، ولذلك فإن قيمة الدراسة لا تكمن في أرقامها وحدها بل في كشفها عدم اتساق التطبيقات القائمة وفي دعوتها إلى توحيد المناهج بين الأحواض والبحار، كما أن التوازن المطلوب بين الطموح البيئي ودقة الأدوات يمثل تحديًا سياسيًا بقدر ما هو علمي، إذ يتعين على المشرع أن يضع أهدافًا طموحة دون أن يبنيها على أسس هشة، وأن يقر بهوامش عدم اليقين صراحة بدل إخفائها وراء أرقام تبدو دقيقة وهي ليست كذلك
وتؤكد الدراسة كذلك أن توحيد المناهج بين الأحواض يمثل شرطًا لأي مقارنة ذات معنى، فحين تختلف التطبيقات النموذجية في افتراضاتها وبياناتها تصبح المقارنة بين بحر الشمال وبحر البلطيق مضللة، ويصبح وضع عتبات موحدة ضربًا من الوهم، ومن هنا فإن الاستثمار في مقاربة موحدة لا يخدم الدقة العلمية وحدها بل يخدم العدالة بين الأحواض، إذ يضمن أن تتحمل المناطق المختلفة أعباء متقاربة وفق أسس متسقة لا وفق نماذج متباينة
وخلاصة القول إن الظروف التاريخية ليست مرادفًا للظروف المرجعية، وإن بناء أهداف بيئية على أسس تاريخية متجاوزة للمرجعيات يهدد فاعلية التشريع، وإن المراجعة المقترحة خطوة ضرورية نحو أهداف أكثر صرامة وواقعية معًا
