اعتمدت المساءلة الديمقراطية في الصحافة على سلسلة إسناد قابلة للاستعادة، أي صحفي معلوم الاسم جمع المعلومات من مصادر محددة، ويمكن تتبع خياراته التحريرية والطعن فيها وتصحيحها، وتعيد الدراسة تأطير هذه السلسلة بوصفها طقسًا تواصليًا لا مجرد آلية نقل، مستندة إلى النموذج الطقسي للاتصال ونظرية الطقوس عند دوركهايم وأدبيات الطقوس الإعلامية والوسائطية، وتجادل بأن ممارسات نسب المصادر، مثل التوقيعات والاستشهادات والإفصاحات، أشكال احتفالية يجدد بها المجتمع المعرفي التزامه المشترك بالتأليف المسؤول، وهو ما يعني أن الإسناد ليس إجراء شكليًا بل فعل جماعي يؤسس الثقة في الصحافة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى تحديد مشكلة الأيادي المتعددة في سلسلة الإسناد الصحفي، وتنظير انتشار الإسناد، أي التحديد المتزايد للتأليف والمسؤولية كلما فككت أدوات الذكاء الاصطناعي والوسطاء المنصّاتيون وسير العمل الموزعة دور المؤلف الموحد الذي كان قائمًا من قبل، وتعتمد الدراسة على النظرية الطقسية وأدبيات الوسائطية، وتوضح حجتها بحالات موثقة، وتقيم الاستجابات القائمة عبر أدوات أمريكية وأوروبية، ثم تقترح أجندة بحثية تجريبية وتدخلًا هيكليًا مؤقتًا
وينطلق التحليل من ملاحظة أن الصحافة المنصّاتية الوسيطة بالذكاء الاصطناعي لم تغير أدوات الإنتاج فحسب، بل غيرت بنية المسؤولية نفسها، فعندما يتوزع التأليف بين أنظمة توليدية ووسطاء منصّاتيين وسلاسل تحريرية مجزأة، يصبح السؤال عن صاحب القرار التحريري سؤالًا ملتبسًا، وتتحول سلسلة الإسناد من مسار واضح إلى شبكة يصعب تتبعها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تحدد الدراسة أربع آليات لانحلال الإسناد، أولها غموض التوليد بالذكاء الاصطناعي، وثانيها سلاسل إعادة النشر المنصّاتية، وثالثها تجزئة السلسلة التحريرية، ورابعها إعادة الصياغة الخوارزمية، وتُقدم هذه الآليات بوصفها أنماطًا مفترضة لتمزق الطقوس تضعف نظام الإسناد في الإعلام الإلكتروني
2، يبين التحليل أن الاستجابات القائمة، مثل معايير الإفصاح ومعايير إثبات المحتوى والأطر القانونية، تحافظ على شكل طقس الإسناد بينما تذيب جوهر مساءلته، إذ يظل الإفصاح موجودًا شكلًا دون أن يتيح تتبعًا حقيقيًا للمسؤولية
3، تقترح الدراسة أجندة تجريبية من ثلاث دراسات لاختبار أنماط تمزق الطقوس وآليات استعادته، بما ينقل النقاش من التنظير إلى الفحص المنهجي القابل للقياس
4، ترسم الدراسة تدخلًا هيكليًا مؤقتًا هو مسار الإنتاج المصدق تحريريًا، المستمد من الحساب الطقسي، وتحدد ما يتطلبه استعادة طقس الإسناد في الصحافة المنصّاتية الوسيطة بالذكاء الاصطناعي من شروط مؤسسية وتقنية وتحريرية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد الدراسة غرف الأخبار والمنصات والمنظمين معًا، إذ تمنح غرف الأخبار لغة دقيقة لتشخيص تآكل المساءلة في سير عملها، وتمنح المنصات معيارًا لتقييم أدوات الإثبات والإفصاح التي تتبناها، وتمنح المنظمين أساسًا للتمييز بين الإفصاح الشكلي والمساءلة الجوهرية، كما تفتح الدراسة بابًا لنقاش أوسع عن الثقة الإعلامية في بيئة تتوزع فيها المسؤولية بين بشر وآلات ووسطاء، وعن الشروط التي تجعل الإسناد فعلًا حيًا لا طقسًا أجوف
وتتضح خطورة انتشار الإسناد في أن القارئ لم يعد يعرف من يتحمل مسؤولية الخبر عند الخطأ، فحين تتوزع القرارات التحريرية بين أنظمة توليدية ووسطاء منصّاتيين وسلاسل تحريرية مجزأة، يصبح تصحيح الخطأ مهمة بلا صاحب محدد، وتتحول المساءلة من التزام شخصي إلى إجراء شكلي يصعب تتبعه
كما تبين الدراسة أن استعادة الطقس لا تتحقق بالأدوات التقنية وحدها، بل تتطلب التزامًا مؤسسيًا من غرف الأخبار والمنصات معًا، يشمل توثيق مسار الإنتاج كاملًا من المصدر إلى النشر، وإتاحة هذا المسار للتدقيق عند الحاجة، وربط كل قرار تحريري بصاحبه على نحو واضح، حتى يظل الإسناد ضمانة حقيقية للثقة لا مجرد توقيع شكلي على نص متعدد الأيادي
وخلاصة القول إن الدراسة تثبت أن أزمة الإسناد في الصحافة المعاصرة ليست أزمة تقنية فحسب بل أزمة طقسية، وأن استعادة التأليف المسؤول تتطلب أكثر من أدوات إفصاح جديدة، بل إعادة بناء للمسار الذي يربط القرار التحريري بصاحبه على نحو قابل للتتبع والمساءلة
