يعد التمحور حول الإنسان جانبًا مركزيًا في تطوير الذكاء الاصطناعي وحوكمته، وتبرزه استراتيجيات وإرشادات كثيرة بوصفه هدفًا رئيسًا ينبغي أن توجه إليه السياسات، غير أن الاستخدامات الراهنة لمفهوم الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان في وثائق السياسات واستراتيجيات الذكاء الاصطناعي قد تنطوي على خطر التقليل من وعود بناء تقنية مرغوبة وتحررية تعزز رفاه الإنسان والصالح العام، فحين يتحول المفهوم إلى شعار فضفاض يفقد قدرته التوجيهية، وتحتاج الحوكمة العامة إلى إعادة تأمل في معناه الدقيق وفي كيفية تشغيله، حتى لا يبقى أسير صياغات مستعارة من سياقات تصميمية مختلفة عن بيئة القرار العام بطبيعتها وأطرافها ومسؤولياتها
وينبع هذا القلق من ملاحظة أن مفاهيم كبرى كثيرة تفقد حدتها حين تنتقل من حقلها الأصلي إلى خطاب السياسات العامة، فيعاد استخدامها بوصفها علامات شرعية أكثر منها معايير عمل، وقد شهد مفهوم التمحور حول الإنسان توسعًا سريعًا في وثائق المنظمات الدولية والحكومات وشركات التقنية، حتى غدا حاضرًا في معظم استراتيجيات الذكاء الاصطناعي، غير أن هذا الانتشار الواسع رافقه تباين كبير في المقصود به وفي كيفية قياس تحققه، ما يستدعي تدقيقًا مفاهيميًا يفرز الاستخدامات الجادة من الاستخدامات الخطابية السطحية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استكشفت الورقة الوسائل والمقاربات الكفيلة بتوظيف مقاربة الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان من أجل التحرر التقني في سياق حوكمة الذكاء الاصطناعي العامة، وحللت كيفية ظهور المفهوم في خطابات السياسات والاستراتيجيات وأسباب غموضه، وقدمت مقاربة نظامية لتطوير ذكاء اصطناعي متمحور حول الإنسان ونشره بصورة مستدامة أخلاقيًا واجتماعيًا، مستندة إلى توسيع النظرة التقليدية المتمحورة حول المستخدم في تصميم التقنية لتشمل منظورات متمحورة حول المجتمع المحلي والمجتمع الأوسع داخل الحوكمة العامة، مع إبراز أنماط الحوكمة الشاملة بوصفها شرطًا للاستدامة الاجتماعية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- مفهوم الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان في خطابات السياسات ناتج عن محاولة تكييف مفهوم التصميم المتمحور حول الإنسان مع سياق الحوكمة العامة للذكاء الاصطناعي، لكن من دون تأمل كافٍ في كيفية إعادة تشكيله ليناسب بيئة المهمة الجديدة
2- يستخدم المفهوم غالبًا في الإشارة إلى إعمال حقوق الإنسان والحقوق الأساسية، وهي حقوق ضرورية لكنها ليست كافية بذاتها لتحقيق التحرر التقني الذي يوسع قدرات الناس وخياراتهم
3- يستخدم المفهوم بغموض في الخطابات السياسية والاستراتيجية، ما يجعل من غير الواضح كيف ينبغي تشغيله عمليًا في ممارسات الحوكمة واتخاذ القرار
4- تقوم إمكانات تطوير تقنية تحررية على توسيع النظرة المتمحورة حول المستخدم لتشمل المنظورات المتمحورة حول المجتمع، وعلى أنماط حوكمة شاملة تعزز الاستدامة الاجتماعية لنشر الذكاء الاصطناعي، وتعد الثقة المتبادلة والشفافية والتواصل والتقنية المدنية متطلبات أساسية سابقة لحوكمة عامة اجتماعيًا مستدامة ومتمحورة حول الإنسان
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو الورقة صانعي السياسات إلى تجاوز الصياغات الإنشائية للمفهوم نحو تعريف إجرائي واضح يربط التمحور حول الإنسان بقيم قابلة للملاحظة والمساءلة، وإلى إشراك المجتمعات المحلية في حوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي العامة لا الاقتصار على منظور المستخدم الفرد، كما تبين أن الجمع بين الحقوق الأساسية والقدرات التحررية يمنح الحوكمة أفقًا أوسع من الامتثال القانوني وحده، وأن الاستدامة الاجتماعية للنشر التقني مشروطة ببنية ثقة وشفافية وتواصل حقيقي بين الدولة والمجتمع
وعلى المستوى التطبيقي يقترح هذا التوجه مؤشرات عملية يمكن تضمينها تقييمات الأثر لأنظمة الذكاء الاصطناعي العامة، كمدى مشاركة المجتمعات المتأثرة في التصميم والمتابعة، وشفافية مبررات القرارات الآلية، ووجود قنوات تظلم فعالة، وهي عناصر تحول التمحور حول الإنسان من مبدأ معلن إلى التزامات قابلة للرصد، كما يوجه الباحثين إلى دراسة تجارب دول ومؤسسات حاولت تشغيل المفهوم فعليًا لاستخلاص شروط نجاحه ومعوقاته، بدل الاكتفاء بتحليل النصوص والخطابات وحدها
وخلاصة القول إن التمحور حول الإنسان في حوكمة الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مقاربة نظامية تعيد تشكيل المفهوم لبيئة الحوكمة العامة، وتوسعه من المستخدم إلى المجتمع، وتربطه بالثقة والشفافية والمشاركة، حتى يتحول من شعار سياساتي غامض إلى ممارسة حوكمة مستدامة أخلاقيًا واجتماعيًا
