يمثل تآكل أيونات الكلوريد في مياه البحر أحد أبرز أسباب تدهور متانة المنشآت الخرسانية المسلحة، إذ تتسرب هذه الأيونات إلى داخل الخرسانة وتصل إلى حديد التسليح فتُحدث صدأ يضعف المنشأ ويقصر عمره التشغيلي، وتلجأ الممارسة الشائعة إلى طلاءات البوليمرات العضوية لحماية الأسطح، غير أن هذه الطلاءات معرضة للتقادم والتقشر مع مرور الزمن، فضلًا عن آثارها الملوثة للبيئة، وهو ما يدفع الباحثين إلى البحث عن بدائل خضراء تجمع بين الكفاءة والاستدامة وانخفاض الكلفة
وانطلاقًا من سلوك الالتصاق تحت الماء لدى بلح البحر، توجهت الدراسة إلى حمض التانيك بوصفه مادة خضراء واعدة لصنع طلاءات مقاومة للكلوريدات، واختبرت ثلاثة أساليب لتجميع الطلاء على سطح الخرسانة هي البلمرة الذاتية التأكسدية لحمض التانيك، والتجميع بخطوة واحدة المدفوع بالتناسق، والتجميع متعدد الخطوات، وذلك بمشاركة أيونات الحديد الثلاثي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير طلاء خرساني صديق للبيئة يعتمد على حمض التانيك ويقاوم نفاذ الكلوريدات إلى الخرسانة المسلحة، وقارنت بين أساليب التجميع الثلاثة من حيث استمرارية الطلاء على السطح وزمن التنفيذ والكلفة وكفاءة مقاومة الكلوريد لكل وحدة سماكة، كما قارنت الأداء بطلاء الإيبوكسي المتداول في السوق، بما يتيح ترشيح الأسلوب الأجدر بالتطبيق في حماية المنشآت المعرضة لبيئات مياه البحر
وتندرج الدراسة في توجه بحثي متنام يسعى إلى استبدال الطلاءات العضوية التقليدية بمواد طبيعية متجددة منخفضة الأثر البيئي، مستلهمًا حلول الطبيعة ذاتها في الالتصاق والحماية، وقد وقع الاختيار على حمض التانيك لتوافره في مصادر نباتية واسعة ولقدرته المعروفة على التناسق مع الأيونات المعدنية وتكوين طبقات متماسكة، وهي خصائص تجعله مرشحًا طبيعيًا لبناء طلاءات واقية على أسطح الخرسانة المعرضة للأملاح والرطوبة
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت المقارنات إلى تفوق واضح لأسلوب التجميع بخطوة واحدة على الأسلوبين الآخرين وعلى الطلاءات القائمة، وتتلخص أبرز النتائج فيما يأتي
النتيجة الأولى: تميز طلاء التجميع بخطوة واحدة من حمض التانيك والحديد الثلاثي باستمرارية جيدة على سطح الخرسانة، وبأقصر زمن تنفيذ بين الأساليب جميعًا إذ لم يتجاوز عشر دقائق
النتيجة الثانية: جاءت كلفة هذا الطلاء الأدنى بين البدائل المدروسة، إذ لم تتجاوز ثلث كلفة طلاء الإيبوكسي، وهو فارق يجعل تعميمه اقتصاديًا على مساحات واسعة أمرًا ميسورًا
النتيجة الثالثة: حقق الطلاء أفضل كفاءة في مقاومة الكلوريد لكل وحدة سماكة بنسبة بلغت 52.17 في المئة، متفوقًا على أسلوب التجميع متعدد الخطوات بفارق 12.67 في المئة، وعلى أسلوب البلمرة الذاتية التأكسدية بفارق 2.42 في المئة
النتيجة الرابعة: فاقت كفاءة الطلاء الجديد كفاءة راتنج الإيبوكسي المرجعي بنحو تسعة وسبعين ضعفًا، وهو فارق يعكس القدرة العالية لطبقة التانيك الرقيقة على إعاقة نفاذ أيونات الكلوريد رغم ضآلة سماكتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج بابًا واسعًا لاستخدام طلاءات خضراء منخفضة الكلفة في حماية الجسور والأرصفة البحرية والمنشآت الساحلية من التآكل بالكلوريدات، إذ يجمع الأسلوب المقترح بين سرعة التنفيذ وقلة المواد وغياب الملوثات العضوية المعتادة، كما يقدم نموذجًا ناجحًا للاستلهام من الطبيعة في حل مشكلات المتانة الهندسية، ويشجع على توسيع اختبارات الأداء طويل الأمد في بيئات بحرية حقيقية قبل التعميم الهندسي الواسع
ومن زاوية تطبيقية، يتميز الأسلوب المقترح بأنه لا يتطلب تجهيزات معقدة ولا أزمنة معالجة طويلة، ما يجعله قابلًا للنقل إلى مواقع التنفيذ البحرية والساحلية حيث تتعذر الظروف المخبرية المثالية، غير أن تعميمه يظل مشروطًا بدراسات متابعة ترصد سلوك الطلاء تحت دورات البلل والجفاف والتعرض الطويل لمياه البحر، وبفحص توافقه مع أنواع مختلفة من الخرسانة وحديد التسليح
وخلاصة القول إن التجميع بخطوة واحدة لحمض التانيك مع الحديد الثلاثي يقدم طلاء خرسانيًا أخضر يجمع بين الكفاءة العالية في مقاومة الكلوريدات والكلفة المنخفضة وسرعة التطبيق، ما يجعله خيارًا واعدًا لحماية الخرسانة المسلحة من التآكل في البيئات البحرية
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/16/21/9422
DOI: 10.3390/su16219422
