0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

هوية المكان والحفاظ على البيئة في سياحة التراث: توسيع نظرية السلوك المخطط في قرى التراث الريفية الإيرانية

تفحص دراسة العوامل المؤثرة في السلوك المسؤول بيئيًا لدى أربعمئة وثلاثة وأربعين سائحًا في قرى تراثية إيرانية بتوسيع نظرية السلوك المخطط بمتغيرات المكان، وتبين أن النموذج الموسع أقدر تفسيريًا، وأن هوية المكان تعدل العلاقة بين النية والسلوك وتتوسط العلاقة بين الارتباط بالمكان والسلوك البيئي

تواجه الوجهات التراثية الريفية معادلة دقيقة تجمع بين استقبال أعداد متزايدة من السياح والحفاظ على بيئاتها وهويتها الثقافية، ويتوقف نجاح هذه المعادلة بدرجة كبيرة على سلوك السياح أنفسهم ومدى التزامهم بالممارسات المسؤولة بيئيًا أثناء زيارتهم، وتقدم نظرية السلوك المخطط إطارًا راسخًا لتفسير هذا السلوك عبر الاتجاهات والمعايير والتحكم السلوكي المدرك، غير أن الروابط النفسية بالمكان، كالارتباط بالمكان وهوية المكان، قد تضيف قدرة تفسيرية أعمق في السياقات التراثية ذات الدلالة الثقافية، ما يستدعي اختبار نماذج نظرية موسعة تجمع بين البعدين

وتحتل القرى التراثية في إيران، بما تحمله من عمارة تقليدية وحرف أصيلة وأنماط عيش عريقة، مكانة متنامية في خطط التنمية السياحية، بوصفها بديلًا عن السياحة الجماهيرية المكدسة في المدن الكبرى وفرصة لإحياء الاقتصادات الريفية، غير أن هذا الاهتمام المتصاعد يحمل في طياته مخاطر الضغط على الموارد الطبيعية والبنية الهشة لهذه القرى وتسليع ثقافتها، ما يجعل سلوك الزائر البيئي متغيرًا حاسمًا في معادلة الاستدامة، ويفسر سعي الباحثين إلى فهم محركاته النفسية العميقة لا الاكتفاء بالتنظيمات الإدارية والغرامات

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

هدفت هذه الدراسة إلى فحص العوامل المؤثرة في السلوك المسؤول بيئيًا لدى السياح في القرى التراثية في محافظة باوه في إيران عبر إطار نظري متكامل يدمج المفاهيم النفسية المرتبطة بالمكان مع نظرية السلوك المخطط، وجمعت البيانات من أربعمئة وثلاثة وأربعين سائحًا في ثلاث قرى تراثية خلال المدة من يوليو إلى نوفمبر من عام ألفين وأربعة وعشرين، وطبقت نمذجة المعادلات البنائية لاختبار نماذج نظرية مقارنة ذات قدرات تفسيرية متفاوتة، قارنت بين النموذج الأساسي للنظرية ونموذج موسع يضم متغيرات مرتبطة بالمكان، لتقدير ما تضيفه الروابط المكانية من تفسير لنوايا السياح وسلوكهم البيئي الفعلي

ثانيًا: أبرز النتائج

أظهرت النتائج تفوق النموذج الموسع في القدرة التفسيرية، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية: أولًا، أكد النموذج الأساسي لنظرية السلوك المخطط آثارًا موجبة دالة للاتجاهات البيئية إذ بلغ معامل المسار 0.388، وللمعايير البيئية بمعامل 0.398، وللتحكم السلوكي المدرك بمعامل 0.547 في النوايا السلوكية، التي أثرت بدورها في السلوك البيئي بمعامل 0.561، وثانيًا، أظهر النموذج الموسع المضيف لمتغيرات المكان قدرة تفسيرية أعلى، إذ ارتفع معامل التحديد للنوايا من 48.2 في المئة إلى 52.7 في المئة، وللسلوك الفعلي من 49.2 في المئة إلى 54.7 في المئة، وثالثًا، أظهرت هوية المكان وظيفتين نفسيتين مزدوجتين، فعدلت العلاقة بين النية والسلوك بمعامل 0.155، وتوسطت العلاقة بين الارتباط بالمكان والسلوك البيئي بمعامل 0.163

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تطور هذه النتائج نظرية السياحة المستدامة بإضاءة المسارات المعقدة التي تؤثر من خلالها الروابط النفسية بالمكان في تشكيل السلوك البيئي في سياقات التراث، وتشير إلى أن أطرًا نظرية أكثر تطورًا باتت لازمة لفهم الممارسات المستدامة وتعزيزها في الوجهات ذات الأهمية الثقافية، فعلى مديري القرى التراثية تنمية شعور السياح بهوية المكان وانتمائهم إليه عبر السرد الثقافي والتجارب الأصيلة، بوصف ذلك رافعة سلوكية لا تقل أهمية عن التوعية البيئية المباشرة، كما تفيد النتائج المخططين في تصميم برامج إرشاد تزاوج بين تعزيز الاتجاهات البيئية وبناء ارتباط وجداني بالمكان

وتدعو النتائج إلى إعادة التفكير في برامج التفسير البيئي والتراثي المقدمة للزوار، بحيث تبنى على سرديات مكانية تربط الزائر بتاريخ القرية وسكانها وقيمها، فتتحول الزيارة من استهلاك بصري عابر إلى خبرة انتماء تترك أثرًا سلوكيًا ممتدًا، كما تدعو إلى إشراك سكان القرى أنفسهم في صياغة رسائل الحفاظ على البيئة وتقديمها، بما يضفي عليها مصداقية اجتماعية ويجعل المعايير البيئية جزءًا من أخلاقيات الضيافة المحلية لا قواعد مفروضة من الخارج

وخلاصة القول إن السلوك البيئي المسؤول في قرى التراث لا يولد من المعرفة والاتجاهات وحدها، بل يتعزز حين يشعر السائح بأن المكان جزء من هويته، وإن دمج هوية المكان في نماذج تفسير السلوك يقربنا من سياحة تراثية تحفظ البيئة وتصون الذاكرة الثقافية في آن واحد

سلة طلب الرسائل (0)