0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

من النية إلى الفعل: نمذجة السلوك المسؤول بعد الزيارة في السياحة البيئية

بنت الدراسة نموذجًا يربط جودة الرحلة والتجربة الجمالية والروحية والاهتمام البيئي بالسلوك المسؤول بعد الزيارة لدى 585 سائحًا بيئيًا يونانيًا، فأظهرت أن السوابق الثلاثة تتنبأ بالسلوك مباشرة وعبر رضا السائح والمعايير الشخصية، وأن المعايير الشخصية هي قناة الوساطة الأقوى في تحويل التجربة إلى التزام بيئي مستقر

تتوقف وعود السياحة البيئية في تحقيق الاستدامة على فهم الآلية النفسية التي تحوّل تجربة الزيارة إلى اهتمام بيئي مستمر وسلوك مسؤول يمتد إلى ما بعد انتهاء الرحلة، فكثير من الزائرين يعودون بانطباعات إيجابية دون أن تتحول هذه الانطباعات إلى ممارسات فعلية صديقة للبيئة في حياتهم اليومية، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى نماذج تفسيرية تربط بين مكونات التجربة السياحية ودوافع الزائر وقيمه من جهة، وبين السلوك البيئي اللاحق للزيارة من جهة أخرى

وتقدم الدراسة الحالية نموذجًا يجمع بين مسارين متكاملين، مسار قائم على التجربة يتمثل في جودة الرحلة المدركة والتجربة الجمالية والروحية، ومسار قائم على القيم يتمثل في الاهتمام البيئي، ويربط المسارين بالسلوك المسؤول بعد الزيارة عبر وسيطين هما رضا السائح والمعايير الشخصية، بما يتيح فهمًا أعمق لكيفية تحويل الانخراط الوجداني والأخلاقي أثناء الرحلة إلى نوايا مستقرة وسلوكيات دائمة

وتتنوع تجارب السياحة البيئية بين مراقبة الحياة البرية وزيارة المحميات والمشي في المسارات الطبيعية والمشاركة في أنشطة صون البيئة، ولكل تجربة منها بصمتها الوجدانية والمعرفية الخاصة، غير أن القاسم المشترك بينها هو الاحتكاك المباشر بالطبيعة الذي يوقظ لدى الزائر مشاعر الانتماء إلى المكان والمسؤولية تجاهه، وهو ما يجعل دراسة ما يحدث بعد انتهاء الزيارة امتدادًا طبيعيًا لدراسة التجربة ذاتها

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

هدفت الدراسة إلى بناء نموذج يربط بين ثلاثة سوابق هي جودة الرحلة المدركة والتجربة الجمالية والروحية والاهتمام البيئي، وبين السلوك المسؤول بعد الزيارة لدى سياح السياحة البيئية، عبر وساطة رضا السائح والمعايير الشخصية، واعتمدت تصميمًا كميًا مقطعيًا استند إلى استجابات استبانة وُزعت على 585 سائحًا بيئيًا يونانيًا، وحُللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية لاختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة في النموذج، كما أُجريت اختبارات المجموعات المتعددة للكشف عن الفروق بحسب الجنس والعمر والمستوى التعليمي والتوجه البيئي والخبرة السابقة في السياحة البيئية

ثانيًا: أبرز النتائج

النتيجة الأولى: تنبأت السوابق الثلاثة جميعها بالسلوك المسؤول بعد الزيارة تنبؤًا دالًا، سواء عبر أثرها المباشر أم عبر أثرها غير المباشر المتدفق من خلال رضا السائح والمعايير الشخصية

النتيجة الثانية: كانت الوساطة جزئية في جميع المسارات غير المباشرة، بما يعني أن الرضا والمعايير الشخصية ينقلان جزءًا من أثر التجربة والقيم إلى السلوك دون أن يستنفدا هذا الأثر كليًا

النتيجة الثالثة: برزت المعايير الشخصية قناة وساطة أقوى من رضا السائح، ولا سيما في تحويل الانخراط الوجداني والأخلاقي أثناء التجربة إلى نوايا مستقرة وسلوك مسؤول مستدام بعد الزيارة

النتيجة الرابعة: كشفت اختبارات المجموعات المتعددة عن فروق دالة بين الفئات، إذ كان السياح الأصغر سنًا وعديمو الخبرة السابقة وذوو التوجه البيئي المرتفع أكثر حساسية للآليات المعيارية والوجدانية من غيرهم

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تطوّر هذه النتائج علم نفس البيئة والسياحة عبر الدمج بين المسارات القائمة على القيم والمسارات القائمة على التجربة في تفسير الفعل اللاحق للزيارة، وتؤكد أن بناء المعايير الشخصية لدى الزائر أجدى من مجرد إرضائه إذا كان الهدف سلوكًا بيئيًا دائمًا، وعلى المستوى التطبيقي توصي الدراسة صناع السياسات والمعلمين ومشغلي السياحة البيئية بتصميم تجارب تحوّلية تُنشّط المعايير والقيم لدى الزائرين بدل الاكتفاء بتحسين عناصر الخدمة والرضا العام

كما تنبه النتائج إلى أن حساسية الفئات الأصغر سنًا وعديمة الخبرة للآليات المعيارية تجعلها جمهورًا واعدًا لبرامج التثقيف البيئي المصاحبة للزيارة، إذ يمكن تشكيل معاييرها الشخصية في مرحلة مبكرة من علاقتها بالسياحة البيئية، وأن مراعاة الفروق بين فئات الزائرين عند تصميم الرسائل البيئية وبرامج الزيارة ترفع مردود هذه البرامج وتعمق أثرها السلوكي المستدام

وخلاصة القول إن الدراسة أظهرت أن السلوك المسؤول بعد زيارة مواقع السياحة البيئية ثمرة تفاعل بين جودة التجربة وعمقها الجمالي والروحي والاهتمام البيئي السابق لدى الزائر، وأن المعايير الشخصية هي القناة الأقوى لتحويل هذه التجربة إلى التزام بيئي مستمر يتجاوز زمن الرحلة ومكانها

سلة طلب الرسائل (0)