الهايكو قصائد قصيرة تتكون كل منها من نحو عشر كلمات، وتصف في العادة لحظات من الطبيعة يلتقطها الشاعر بتركيز وإيجاز، ويكتب الناس الهايكو منذ القرن السابع عشر على الأقل، وما زال هذا الفن نابضًا بالشعبية لدى الشعراء والهواة والمعلمين والطلاب في أنحاء العالم، وتشكل هذه القصائد في مجموعها فرصة فريدة لفهم أي جوانب الطبيعة، كالأصناف والسمات البيولوجية، يتردد صداها لدى البشر ويستقر في وجدانهم، وما إذا كانت هناك اتجاهات زمنية في تمثيلها أو في المشاعر المصاحبة لتلك اللحظات الشعرية
وتندر الدراسات التي توظف الشعر مصدرًا لبيانات بيئية وثقافية بهذا الحجم، إذ تتقاطع في هذا الموضوع مناهج اللغويات مع مناهج علم الأحياء، لقراءة آلاف القصائد قراءة مزدوجة توثق ما ذُكر فيها من كائنات وسمات، وتحلل في الوقت نفسه نبرتها العاطفية وطابعها الوجداني، فتتحول القصائد من نصوص أدبية إلى أرشيف حي لعلاقة الإنسان بالحشرات والمفصليات عبر القرون، وهو أرشيف يمكن أن يوجه استراتيجيات الانخراط العام في قضايا التنوع الحيوي وحماية الكائنات الصغيرة المهمشة في الوعي البيئي المعاصر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار إمكانات قصائد الهايكو مصدرًا لفهم تمثيل الطبيعة لدى البشر، مستخدمة مزيجًا من الأساليب اللغوية والبيولوجية في تحليل نحو أربعة آلاف قصيدة هايكو تشير إلى المفصليات، ووثقت الدراسة الأصناف والسمات الحياتية الممثلة في هذه القصائد وكيفية تغيرها عبر الزمن، وحللت القصائد من حيث المشاعر والنبرة الوجدانية باستخدام أدوات تحليل النصوص، وبذلك جمعت بين التوثيق التصنيفي الدقيق للكائنات المذكورة وبين القراءة الكمية للمضامين العاطفية والأسلوبية في متن شعري ممتد عبر قرون متعاقبة وبيئات ثقافية متعددة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت نتائج الدراسة مزيجًا من الاتجاهات المتوقعة والمفاجآت اللافتة في تمثيل المفصليات شعريًا، ويمكن عرض أبرزها في النقاط التالية
النتيجة الأولى: أن ما لا يقل عن 99 عائلة من المفصليات موزعة على 28 رتبة ممثلة في قصائد الهايكو المدروسة، وكانت الأصناف الثمانية الأكثر إشارة إليها هي حرشفيات الأجنحة ثم غشائيات الأجنحة ثم ثنائيات الأجنحة ثم غمديات الأجنحة ثم العناكب ثم مستقيمات الأجنحة ثم نصفيات الأجنحة ثم اليعاسيب على هذا الترتيب
النتيجة الثانية: أن بعض الرتب الشائعة والبارزة لم تُذكر قط في القصائد المدروسة، ومنها شعريات الأجنحة ومطويات الأجنحة وكبيرات الأجنحة، وهو غياب لافت لكائنات حاضرة في البيئات المائية والطبيعية التي يتأملها شعراء الهايكو عادة
النتيجة الثالثة: أن السمات الأكثر إشارة إليها تتصل بالبيئة، ولا سيما الموطن والموسمية ووقت اليوم، وبالسلوك ولا سيما إصدار الصوت، وبالنمط الظاهري ولا سيما اللون، وبالحركة ولا سيما الطيران، بينما كانت أقل السمات ورودًا تلك المتصلة بتكاثر المفصليات ووظائف أعضائها الداخلية
النتيجة الرابعة: أن التحليلات كشفت عن قلة الاتجاهات الزمنية الواضحة في تمثيل الأصناف أو السمات البيولوجية أو المشاعر والنبرة عبر الزمن، بما يوحي باستقرار نسبي في ما يلفت انتباه الشعراء من عالم المفصليات عبر القرون المدروسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج القائمين على التوعية البيئية والتعليم العلمي بمعرفة أي الكائنات والسمات تتردد أصداؤها لدى الجمهور فعلًا، فيبنون عليها استراتيجيات انخراط تبدأ من المألوف المحبوب كالفراشات واليعاسيب وأصوات الحشرات الصيفية لتصل إلى الكائنات الغائبة عن الوعي الشعري، كما تفيد الباحثين في العلوم الإنسانية البيئية بنموذج منهجي يزاوج بين التحليل اللغوي والتوثيق البيولوجي للأدب، وتفتح الباب لدراسات مقارنة بين تقاليد شعرية ولغات أخرى، ولفحص تمثيل مجموعات حية أخرى في المدونات الأدبية العالمية عبر العصور
وخلاصة القول إن قصائد الهايكو، رغم قصرها الشديد، تحمل أرشيفًا غنيًا لعلاقة الإنسان بالمفصليات يشمل 99 عائلة في 28 رتبة، تتصدره الفراشات والنحل والذباب والخنافس والعناكب، وتغيب عنه رتب كاملة، وتهيمن عليه سمات بيئية وسلوكية مرئية ومسموعة، وهو ما يجعل الشعر مصدرًا جادًا لفهم التفاعل الثقافي مع التنوع الحيوي
المصدر الأصلي: https://dx.plos.org/10.1371/journal.pone.0298865
DOI: 10.1371/journal.pone.0298865
