أحدثت جائحة كوفيد-19 أزمة اجتماعية واقتصادية وصحية تركت أثرًا كبيرًا في الصحة النفسية للمجتمعات حول العالم، وكان الممرضون في صدارتها وقوفًا في خط المواجهة الأول مع المرض ومخاطره وضغوط العمل المتصاعدة، فتعرضوا لأعباء نفسية مضاعفة مقارنة بعموم الناس، وهو ما جعل تتبع حالتهم النفسية عبر الزمن قضية صحية ومهنية ملحة، تتجاوز رصد اللحظة الأولى للأزمة إلى فهم ما يستقر من آثارها وما يتبدل مع انقضائها
فقد يتحسن بعض الأفراد مع تراجع الخطر واستعادة الحياة طبيعتها، بينما تتفاقم الأعراض لدى آخرين تحت وطأة الإنهاك المتراكم، ولا يمكن التمييز بين هذه المسارات إلا بدراسات طولية تقيس الأعراض في أكثر من نقطة زمنية وتقارن بين الفئات، ومن هنا تأتي أهمية المقارنة بين الممرضين وعموم المجتمع، إذ تكشف عما إذا كانت المهنة الصحية ذاتها عامل هشاشة نفسية ممتدًا يستدعي تدخلات مصممة خصيصًا لأصحابها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء تقويم طولي لمسار أعراض الاكتئاب والقلق والصدمة والخوف من كوفيد-19، بمقارنة التقارير الذاتية للممرضين وعموم المجتمع خلال فترة ستة أشهر، وطبقت استبانات التقرير الذاتي إلكترونيًا على عينة ضمت 180 ممرضًا و158 فردًا من عموم المجتمع في القياس الأساسي، ثم أعيد القياس بعد ستة أشهر في قياس للمتابعة، بما أتاح رصد اتجاهات الأعراض صعودًا وهبوطًا لدى كل فئة ومقارنة الفروق بينهما عبر الزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تباينًا لافتًا في مسارات الصحة النفسية بين الفئتين يمكن عرض أبرزه في النقاط الآتية
1- جاءت مستويات الأعراض التي أفاد بها الممرضون أعلى عمومًا من مستويات عموم المجتمع، واتجهت إلى التفاقم مع مرور الوقت، في مقابل اتجاه أعراض عموم المجتمع إلى التحسن التدريجي
2- اختلفت مستويات أعراض الاكتئاب والقلق والصدمة بين الممرضين وعموم المجتمع اختلافًا دالًا إحصائيًا عبر الزمن، فلم تكن الفجوة ثابتة بل اتسعت مع تقدم فترة المتابعة
3- انخفضت مستويات الخوف من كوفيد-19 انخفاضًا دالًا بين القياسين الأول والثاني في كلتا المجموعتين، فكان الخوف من الفيروس ذاته الأسرع تراجعًا مع انحسار ذروة الجائحة
4- رسم التباين بين تراجع الخوف وبقاء أعراض الاكتئاب والقلق والصدمة لدى الممرضين مرتفعة صورة مركبة، إذ خفت حدة الذعر من العدوى بينما بقي العبء النفسي المهني المتراكم قائمًا ومتفاقمًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى ضرورة رصد الآثار الأطول أجلًا للجائحة في الصحة النفسية للعاملين الصحيين بدل افتراض زوالها بانتهاء الطوارئ، وتطوير تدخلات تعزز المرونة النفسية مصممة لتناسب الاحتياجات الفريدة لهذه الفئة المعرضة للخطر، كبرامج الدعم النفسي المؤسسي وجدولة أعباء العمل والتفريغ الانفعالي الموجه، فترك الممرضين يواجهون تفاقمًا صامتًا في أعراضهم يهدد استمراريتهم في المهنة وجودة الرعاية التي يقدمونها للمرضى معًا
وتعزز هذه النتائج ما تراكم في أدبيات الصحة المهنية من أدلة على أن العاملين في الرعاية الصحية يدفعون كلفة نفسية مضاعفة في الأزمات، لا بسبب التعرض للعدوى وحده، بل بسبب أعباء العمل الممتد ومشاهدة المعاناة والوفيات واتخاذ قرارات أخلاقية مؤلمة في توزيع الموارد الشحيحة، وهي ضغوط لا تنتهي بانتهاء الموجة الوبائية، بل قد تتأخر آثارها وتظهر في صورة احتراق مهني وانسحاب من المهنة، مما يجعل متابعتها شأنًا مؤسسيًا يتصل بسلامة المرضى أنفسهم
ومن زاوية التخطيط الصحي، تدعو الدراسة إلى إدماج مؤشرات الصحة النفسية للكوادر في لوحات متابعة ما بعد الأزمات التي ترصدها الجهات الصحية، جنبًا إلى جنب مع المؤشرات الوبائية والتشغيلية، بحيث لا يعلن انتهاء الطارئة بينما تتفاقم الأعراض بصمت لدى من حملوا عبء مواجهتها، كما تدعو إلى بناء برامج دعم نفسي وقائية تعمل أثناء الأزمة لا بعدها فقط، وتستند إلى فحص دوري اختياري وسري يحفظ كرامة العاملين ويشجعهم على طلب المساعدة دون وصمة
وخلاصة القول إن الدراسة توثق مسارين متقابلين بعد الجائحة، تحسن في عموم المجتمع وتفاقم لدى الممرضين، بما يجعل الصحة النفسية للكادر التمريضي أولوية متابعة وتدخل طويلة الأمد في سياسات ما بعد الأزمات الصحية
