تشير السياحة المجتمعية إلى أنماط سياحية تملكها المجتمعات المحلية وتديرها بنفسها، وتُصمم لتعزيز مشاركة أبناء المجتمع المحلي وتمكينهم وتحقيق توزيع منصف للمنافع السياحية بينهم، غير أن تنمية هذه السياحة لا تسير بوتيرة متكافئة بين المناطق، إذ تتداخل فيها عوامل المناخ والهجرة والتمويل الخارجي بما يخلق فروقًا مكانية عميقة في فرص النمو والاستفادة
وتزداد هذه المسألة حدة في بلدان كفيتنام تواجه ضغوطًا مناخية متصاعدة تدفع الأهالي إلى الهجرة من المناطق الأشد تعرضًا، بينما تتركز استثمارات المانحين والحكومات في مناطق بعينها دون غيرها، فينشأ تفاوت هيكلي يصعب تفسيره بالأدوات الاقتصادية التقليدية وحدها، ويستدعي منظورات نقدية تربط توزيع الاستثمار بمفاهيم العدالة المكانية ونقد أنماط التنمية المفروضة من الخارج
وتشكل فيتنام حالة دالة لدراسة هذه التفاعلات، إذ تجمع بين دلتا نهرية منخفضة شديدة التعرض لارتفاع منسوب البحر والفيضانات والملوحة، ومرتفعات شمالية تقطنها أقليات عرقية ذات موارد سياحية طبيعية وثقافية غنية، فتتفاوت مناطقها في التعرض المناخي وفي نصيبها من التمويل التنموي والاهتمام البحثي تفاوتًا بنيويًا ظاهرًا يستحق الفحص
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: تقويم كيفية تأثير هياكل التمويل على المستويين الكلي والجزئي في جاهزية المجتمعات للسياحة المجتمعية، وتحليل الكيفية التي تضيء بها العدالة المكانية ونقد ما بعد التنمية أوجه التفاوت الهيكلي في الاستثمار السياحي، وتقويم الآثار المترتبة على المجتمعات المعرضة للمناخ والأقليات العرقية بما فيها ضعف تمثيلها في أدبيات السياحة المجتمعية وخطابات السياسات
واعتمدت الدراسة منهجية مركبة شملت مراجعة منهجية لأدبيات السياحة المجتمعية المنشورة بين عامي 2014 و2025، وتحليلًا موضوعاتيًا لتقارير المانحين والجهات الحكومية كالبنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وتقديرًا لتدفقات التمويل الإقليمية باستخدام الترميز السردي وتحليل الأنماط النصية في هذه التقارير والوثائق
ثانيًا: أبرز النتائج
1- كشفت النتائج عن انحياز جغرافي ومؤسسي مستمر لصالح دلتا الميكونغ الجنوبية، إذ تستفيد من مشروعات الصمود المناخي والاستثمارات الموجهة خصيصًا للسياحة دون غيرها من المناطق الفيتنامية
2- ظلت مناطق المرتفعات الشمالية مهمشة في المقابل، إذ لا تتلقى سوى تمويل موجه لمكافحة الفقر دون استثمارات سياحية تنموية تبني جاهزيتها للسياحة المجتمعية وتنمي قدرات مجتمعاتها
3- بين التحليل أن أجندات الصمود التي يقودها المانحون قد تعزز دون قصد أوجه التفاوت المكاني القائمة، حين تتركز مشروعاتها في المناطق ذات الأولوية المناخية أو المؤسسية وتتجاوز المناطق المهمشة تاريخيًا
4- تعاني المجتمعات المعرضة للمناخ والأقليات العرقية من ضعف التمثيل في بحوث السياحة المجتمعية وخطابات السياسات، بما يحد من قدرتها على التأثير في قرارات التمويل والتخطيط التي تمس مستقبلها
كما تنبه الدراسة إلى أن قياس تدفقات التمويل وتوزيعها المكاني يمثل مدخلًا تحليليًا مهمًا لمساءلة خطابات التنمية ذاتها، إذ تكشف الأرقام والخرائط عن أولويات فعلية للممولين قد تختلف عن الأهداف المعلنة للمشروعات والبرامج التنموية والسياحية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في إدماج العدالة المكانية ونقد ما بعد التنمية في دراسات السياحة إدماجًا تطبيقيًا، إذ تبين كيف يمكن لأدوات التمويل ذات النوايا التنموية أن تعيد إنتاج التفاوت إذا لم تُراجع خرائط توزيعها وآثارها المكانية، وتقدم توصيات سياساتية لتخطيط السياحة المجتمعية وتمويلها بصورة أكثر إنصافًا عبر مناطق فيتنام المتنوعة، ولتوجيه اهتمام بحثي أكبر نحو المناطق والمجتمعات المهمشة بما يصحح اختلال التوازن المعرفي والتمويلي القائم
وتتصل دلالات الدراسة بسياسات التكيف المناخي عمومًا، إذ تحذر من أن غياب العدالة المكانية عن تصميم مشروعات الصمود قد يحول أدوات التكيف ذاتها إلى عوامل تعميق للفجوات القائمة بين المناطق، وتدعو إلى إشراك المجتمعات المحلية والأقليات العرقية في تعريف أولويات التمويل ومتابعة أثره ميدانيًا، وإلى إعادة توزيع الاهتمام البحثي بحيث لا تبقى المناطق المهمشة غائبة عن الأدبيات التي تستند إليها السياسات والقرارات
وخلاصة القول إن تنمية السياحة المجتمعية العادلة لا تتحقق بوفرة التمويل وحده، بل بعدالة توزيعه المكاني وبإشراك المجتمعات الأشد تعرضًا للمناخ والتهميش في صنع القرار البحثي والسياساتي الذي يرسم مستقبلها السياحي
