يواجه تخطيط السياحة في المدن الساحلية ذات الموانئ تحديًا مزدوجًا يتمثل في تعظيم الفوائد الاقتصادية للنشاط السياحي مع تخفيف الضغوط البيئية والاجتماعية المصاحبة له، وغالبًا ما تتباين نظرة الزوار إلى الوجهة عن نظرة سكانها المقيمين، إذ يركز الزائر على جودة تجربته والخدمات المقدمة له، بينما يعايش المقيم يوميًا آثار الازدحام وارتفاع تكاليف المعيشة وحدود مشاركته في حوكمة السياحة المؤثرة في مدينته
ومن هنا يصبح دمج المنظورين معًا في عملية التخطيط شرطًا لبناء وجهات مستدامة ومرنة قادرة على الاستمرار، وتعد المدن ذات الموانئ الكبرى مختبرًا حيويًا لهذه القضية لما تشهده من تدفقات سياحية ضخمة عبر السفن والرحلات البحرية، ومن احتكاك مباشر بين مصالح الزوار العابرين وحقوق المقيمين الدائمين في بيئتهم الحضرية وخدمات مدينتهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص حالة مدينة بيرايوس اليونانية صاحبة الميناء الشهير عبر دمج رؤى الزوار والمقيمين معًا، لاستكشاف كيف يمكن لتصورات أصحاب المصلحة أن توجه تخطيط وجهات مستدامة ومرنة، واعتمدت الدراسة على بيانات أولية جمعت من خلال مسوح واسعة النطاق شملت زوار الوجهة وسكانها المحليين
وطبق التحليل إطارًا متعدد الأبعاد لتقويم الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للسياحة في بيرايوس، بما أتاح مقارنة منظمة بين ما يراه الزوار من قيم ومواطن قصور، وما يرصده المقيمون من منافع وأعباء، وصولًا إلى صورة متكاملة تفيد صانعي القرار السياحي ومخططي المدن الساحلية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر الزوار إنفاقًا قويًا وانخراطًا ثقافيًا ملحوظًا في الوجهة، بما يعكس جاذبية بيرايوس الثقافية وقيمتها الاقتصادية الملموسة لقطاع السياحة المحلي والوطني
2- عبر الزوار في المقابل عن مخاوف تتعلق بالبنية التحتية والتلوث وجودة الخدمات المقدمة لهم أثناء الزيارة، بما يشير إلى مواطن تحسين لا بد منها لصون تنافسية الوجهة
3- أقر المقيمون بما تولده السياحة من فرص عمل ونشاط تجاري في مدينتهم، بما يدل على اعترافهم بثمارها الاقتصادية المباشرة على الأسر والمشروعات المحلية
4- شدد المقيمون في الوقت نفسه على ارتفاع تكاليف المعيشة والازدحام المتزايد ومحدودية إشراكهم في حوكمة السياحة واتخاذ القرارات المتصلة بها في مدينتهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز الدراسة عبر هذه المقارنة أهمية تحليل أصحاب المصلحة المتعددين أساسًا للتخطيط السياحي المتكامل، وتقترح إستراتيجيات حوكمة تعزز الاستدامة والمرونة في الوجهات الساحلية ذات الموانئ مثل بيرايوس، منها إشراك المقيمين فعليًا في صنع القرار السياحي، ومعالجة اختناقات البنية التحتية وجودة الخدمات، وتوزيع منافع السياحة بعدالة أكبر بين الزوار والمجتمع المضيف، وإدارة التدفقات السياحية بما يخفف الازدحام ويحمي جودة حياة المقيمين
وتندرج الدراسة ضمن تحول أوسع في أدبيات إدارة الوجهات السياحية من التركيز على أعداد الزوار وحجم الإنفاق وحدهما إلى تقويم نجاح الوجهة بمدى رضا أهلها المقيمين وجودة حياتهم فيها، فالسياحة التي تثقل كاهل المقيمين بالازدحام وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات المشتركة تولد مع الوقت مواقف سلبية تجاه الزوار وتقوض رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه ضيافة أي وجهة، في حين تتحول المشاركة المجتمعية الحقيقية في الحوكمة إلى رصيد من الثقة يدعم استمرارية القطاع، وتكتسب المدن المينائية حساسية مضاعفة في هذا الصدد لأن سياحة الرحلات البحرية تضخ أعدادًا ضخمة من الزوار في أوقات مركزة، فتشتد الضغوط على البنية التحتية والفضاءات العامة، ويصبح توزيع هذه التدفقات زمنيًا ومكانيًا وإشراك المجتمع في عوائدها قضايا حوكمة مركزية، وتقدم حالة بيرايوس بما تجمعه من ميناء عالمي وأحياء سكنية عريقة نموذجًا ثريًا لاختبار هذه التوازنات واستخلاص دروس تنفع وجهات مماثلة حول العالم في إدارة سياحتها الحضرية المعاصرة وتحدياتها
وخلاصة القول إن الجمع بين صوتي الزائر والمقيم ليس ترفًا منهجيًا، بل ضرورة عملية لأي وجهة ساحلية تريد لسياحتها أن تدوم، فالوجهة التي يرضى عنها سكانها ويثقون بعدالة توزيع منافعها هي الأقدر على استقبال زوارها بجودة وترحيب مستدامين
