خضعت دلالات التمويل الرقمي بالنسبة إلى الاستقرار المالي لتدقيق شديد منذ أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، غير أن الأدلة التجريبية حول هذه العلاقة جاءت متضاربة وغامضة إلى حد ما، وترجع هذه الدراسة هذا الاضطراب إلى إهمال البحوث السابقة للفواصل الهيكلية المتعددة التي تعتري العلاقة زمنيًا وتغير قوتها واتجاهها عبر الفترات المختلفة
وتسعى هذه الدراسة إلى تحديد الفواصل الهيكلية المحتملة في العلاقة بين التمويل الرقمي والاستقرار المالي، وفحص ما إذا كان أثر التمويل الرقمي ثابتًا أو ضعفت قوته في ظل وجود هذه الفواصل، وذلك في عينة من واحد وأربعين اقتصادًا أفريقيًا ناميًا خلال الفترة من عام 2004 إلى عام 2023، بما يعمق فهم شروط تحقق الاستقرار المالي في الاقتصادات النامية صاعدة التحول الرقمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
ولّدت الدراسة مؤشرًا للاستقرار المالي باستخدام تحليل المكونات الرئيسة، وطورت امتدادًا لوحيًا لمنهجية باي وبيرون لكشف الفواصل الهيكلية المتعددة المجهولة وتحديد تواريخها الصالحة وفواصل الثقة لها، ثم طبقت منهجية الانحدار الكمي لفحص أثر التمويل الرقمي بشقيه الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول والخدمات المصرفية عبر الإنترنت في الاستقرار المالي عبر الشرائح المختلفة من توزيع الاستقرار
وميزت الدراسة بين الاقتصادات بحسب موقعها في توزيع الاستقرار المالي، إذ قد يختلف أثر التمويل الرقمي بين الاقتصادات ذات الاستقرار المنخفض ونظيرتها ذات الاستقرار المرتفع، ولا سيما عند حدوث صدمات الفواصل الهيكلية المرتبطة بالأزمات العالمية والإقليمية الكبرى التي شملتها فترة الدراسة الممتدة عقدين كاملين
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة فواصل هيكلية واضحة وآثارًا غير متجانسة للتمويل الرقمي، ويمكن إيجاز أبرزها فيما يأتي
1- إشارة نتائج توليد المؤشر بتحليل المكونات الرئيسة إلى أن عدم الاستقرار أكثر حساسية لمكونات أزمات البنوك والدرجة المعيارية زد، بما يجعل هذين المكونين قناتين رئيستين تنتقل عبرهما هشاشة الأنظمة المصرفية في الاقتصادات النامية المدروسة إلى الاستقرار المالي الكلي
2- كشف الكشف عن الفواصل عن ثلاث فواصل هيكلية تداخلت فواصل الثقة لها مع فترات أزمات كبرى، هي الأزمة المالية العالمية وأزمة الرهن العقاري خلال الأعوام من 2006 إلى 2011، واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام من 2012 إلى 2016، وجائحة كورونا وحرب أوكرانيا خلال الأعوام من 2017 إلى 2021
3- إظهار الانحدار الكمي أن هذه الفواصل تضعف أثر التمويل الرقمي، بشقيه المصرفي عبر الهاتف المحمول وعبر الإنترنت، في الاستقرار المالي، ولا سيما لدى الاقتصادات الواقعة في الشرائح الدنيا من توزيع الاستقرار المالي، بينما كان الأثر هامشيًا لدى الاقتصادات الواقعة في الشرائح العليا من التوزيع
4- خلصت الدراسة إلى أن التمويل الرقمي قادر على تثبيت النظام المالي في الاقتصادات النامية متى ضُبطت صدمات الفواصل الهيكلية وروعيت في التحليل والسياسات، بما يعيد تفسير التضارب السابق في الأدلة التجريبية حول هذه العلاقة الجدلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بتنسيق السياسات المالية والهيكلية استباقًا لآثار الفواصل الهيكلية، بحيث تراعي البنوك المركزية والجهات الرقابية في الاقتصادات النامية موجات الصدمات الكبرى عند تقويم مخاطر التمويل الرقمي، وتضبط أدواتها الاحترازية بما يحفظ إسهام التمويل الرقمي في الاستقرار بدل تحوله إلى قناة لهشاشة إضافية
كما تقدم الدراسة إسهامًا معرفيًا مزدوجًا يتمثل في تطوير نموذج قياسي جديد للامتداد اللوحي لكشف الفواصل الهيكلية المتعددة، ومعايرة مؤشر للاستقرار المالي وتحديد تواريخ صالحة لثلاث فواصل كبرى، بما يوفر أدوات تحليلية يمكن أن يعتمدها باحثون آخرون في دراسة علاقات مالية أخرى تعتريها تحولات هيكلية مماثلة
وتعزز هذه النتائج أهمية الاستمرار في تطوير الأدوات التحليلية المستخدمة في هذا الحقل بما يسمح برصد أدق للظواهر المدروسة وبناء فهم تراكمي يثري الأدبيات العلمية المتراكمة في المجال ويعمق تفسير العلاقات بين المتغيرات المختلفة
وخلاصة القول إن أثر التمويل الرقمي في الاستقرار المالي بالاقتصادات النامية مشروط بالفواصل الهيكلية التي تعتري العلاقة، وإن ضبط صدمات هذه الفواصل عبر سياسات منسقة يجعل التمويل الرقمي رافدًا للاستقرار المالي لا مصدرًا لاضطرابه في أوقات الأزمات الكبرى
