يمثل الابتكار في سياق العولمة الحديثة محركًا رئيسًا للنمو الاقتصادي، وتلعب التجارة الدولية دورًا مهمًا في تغذيته، إذ تفتح الأسواق الخارجية أبواب المنافسة ونقل المعرفة واتساع الطلب على المنتجات الجديدة، غير أن العلاقة بين الانفتاح التجاري وأداء الابتكار ليست آلية متجانسة بين الدول، فقد تستفيد دول من انفتاحها ما لا تستفيده أخرى، وهو التباين الذي تفحصه هذه الدراسة في دول الاتحاد الأوروبي
وتتنوع تفسيرات هذه العلاقة بين من يرى في الانفتاح ضغطًا تنافسيًا يحفز الشركات على الابتكار والتميز، ومن يراه قناة لاستيراد التقنيات والتعلم من الشركاء، ومن ينبه إلى أن ثمار الانفتاح رهينة بشروط مصاحبة كالإنفاق على البحث والتطوير ونضج الرقمنة وقوة الناتج المحلي، ما يجعل صورة الدول عناقيد متباينة أكثر منها سلمًا واحدًا، ودراسة العناقيد وسيلة لالتقاط هذه الصورة المركبة
ويشكل الاتحاد الأوروبي ميدانًا دالًا لهذا الفحص بوصفه كتلة تجارية متكاملة كبرى تجمع دولًا متفاوتة النضج الابتكاري تحت مظلة سياساتية واحدة، فيمكن عزل أثر الاختلافات الوطنية في الانفتاح والقدرات عن أثر الأطر المشتركة، كما تشمل المدة المدروسة صدمة الجائحة التي اختبرت مرونة سلاسل الإمداد والابتكار معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين درجة الانفتاح التجاري وأداء الابتكار في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين عبر المدة من عام 2018 إلى عام 2024، وهي مدة تشمل جائحة كوفيد-19، وحللت البيانات باستخدام التحليل العنقودي الديناميكي بطريقة كي مينز، كما استخدمت إلى جانب الانحدار الخطي البسيط تحليل النموذج المختلط ذا التأثيرات الثابتة بتقدير الاحتمالية القصوى المقيدة لاختبار متانة العلاقات، وضمت المتغيرات نسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي وإنفاق البحث والتطوير والرقمنة والناتج المحلي الإجمالي، ويتيح التحليل العنقودي الديناميكي تجميع الدول بحسب تشابه ملامحها في لحظات متتابعة، فيكشف أنماط التقارب والتباعد التي تخفيها المتوسطات العامة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- حدد التحليل العنقودي الديناميكي من منظور الانفتاح التجاري والابتكار ثلاث مجموعات متباينة ذات دلالة إحصائية ومستقرة، هي قادة الابتكار، والاقتصادات الناشئة، ودول ذات انفتاح اقتصادي مرتفع
2- أكدت النتائج وجود علاقة إيجابية دالة إحصائيًا بين الانفتاح التجاري وأداء الابتكار في دول الاتحاد الأوروبي
3- أظهرت النتائج أثرًا إيجابيًا دالًا لنسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي والرقمنة وإنفاق البحث والتطوير في معدلات الابتكار عبر تفاعل ثلاثي، بما يمثل أثرًا ابتكاريًا تآزريًا تتكامل فيه العوامل بدل أن تعمل منفردة
4- ساعد التحليل العنقودي الديناميكي على تتبع مواضع الدول واستقرار مجموعاتها عبر الزمن، فجاءت المجموعات الثلاث متميزة ومستقرة بما يمنح التصنيف قيمة وصفية وسياساتية معًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أن أثر الانفتاح التجاري في الابتكار متباين ومشروط بعوامل خاصة أخرى، بما يستدعي سياسات ابتكار وتجارة متمايزة داخل الاتحاد الأوروبي بدل وصفات موحدة، فالاقتصادات الناشئة ابتكاريًا قد تحتاج بناء قدرات بحثية ورقمية قبل جني ثمار مزيد من الانفتاح، بينما تحتاج دول الانفتاح المرتفع إلى تحويل انفتاحها إلى قيمة مبتكرة مضافة، وينبغي لسياسات الابتكار أن تحسن مجمل المعلمات المؤثرة وتستثمر أثرها التآزري، كما تدعو الدراسة صانعي القرار إلى مراقبة انتقالات الدول بين العناقيد عبر السنوات مؤشرًا حيًا على نجاح السياسات الوطنية
وتكتسب مسألة التباين داخل الاتحاد الأوروبي أهمية تتجاوز البحث الأكاديمي، إذ تخصص موازنات أوروبية ضخمة لصناديق الابتكار والتماسك بهدف تضييق الفجوات بين الدول والمناطق، فإذا كانت عوائد الانفتاح مشروطة بقدرات محلية فإن توزيع الدعم بمقاس واحد قد يوسع الفجوة بدل ردمها، ومن هنا تلتقي الدراسة مع نقاش أوسع عن السيادة التقنية الأوروبية وسلاسل القيمة العالمية بعد صدمات الجائحة والطاقة، حيث صار الابتكار ملفًا جيوسياسيًا بقدر ما هو ملف اقتصادي، تتقاطع فيه التجارة والصناعة والبحث العلمي في معادلة واحدة
وخلاصة القول إن الانفتاح التجاري فرصة للابتكار لا ضمانة له، فهو يؤتي ثماره حين يقترن بإنفاق بحثي ورقمنة ونمو اقتصادي متكامل، وإن قراءة الدول عناقيد متحركة لا درجات ثابتة مدخل أصدق لسياسات أوروبية رشيدة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/14/1/4
DOI: 10.3390/economies14010004
