تفرض الزراعة التقليدية تهديدات متزايدة على استدامة الزراعة في ظل تنامي الطلب على الغذاء وتصاعد مخاطر الفيضانات المرتبطة بتغير المناخ، إذ تسهم أساليب الحراثة المكثفة في تدهور التربة وزيادة الجريان السطحي وانبعاثات غازات الدفيئة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أدوات نمذجة قادرة على مقارنة بدائل إدارة التربة والمحاصيل في ظل عدم اليقين المناخي والبيئي
وفي هذا الإطار تقدم هذه الدراسة شبكة اعتقاد بايزية بوصفها أداة لدعم القرار الزراعي، تتيح تمثيل العلاقات الاحتمالية بين متغيرات التربة والحراثة والمناخ ومخرجات الإنتاج، وتقديم تقديرات احتمالية تساعد المزارعين وصانعي السياسات على اختيار الممارسات الأقدر على الجمع بين الغلة المرتفعة وحماية التربة والحد من الانبعاثات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء شبكة اعتقاد بايزية لاستكشاف تكييف الحراثة بوصفه وسيلة لإدارة الفيضانات في ترب متفاوتة المحتوى من الكربون العضوي عند إنتاج القمح الشتوي، ومقارنة آثار أسلوبي عدم الحراثة والحراثة التقليدية في غلة القمح والجريان السطحي وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون من غازات الدفيئة
واعتمدت الدراسة على ثلاث ترب حقيقية استقيت من بيئة ترب حوض بانغ في مقاطعة بيركشاير بالمملكة المتحدة مع التركيز على قوامها وخصائص مياهها، وعدل محتواها من الكربون العضوي على أربع درجات هي 1 و3 و5 و7 في المئة، وبنيت متغيراتها داخل الشبكة البايزية، واستخدمت مجموعات بيانات محاكاة من نظام دعم القرار لنقل التقنية الزراعية عبر ثمانية وأربعين موسمًا زراعيًا لضبط معاملات النموذج، وصنفت معاملاته في فئات من الأدنى إلى الأعلى وفق التوزيع الإحصائي للبيانات
ثانيًا: أبرز النتائج
1- تفوق أسلوب عدم الحراثة على الحراثة التقليدية في الفئة الأعلى من المعاملات، إذ انخفضت انبعاثات غازات الدفيئة من 7.34 إلى 7.31 في المئة، وانخفض الجريان السطحي التراكمي من 8.52 إلى 8.50 في المئة، بينما ارتفعت الغلة من 7.46 إلى 7.56 في المئة
2- في المقابل أدى أسلوب الحراثة التقليدية إلى ارتفاع الانبعاثات من 7.34 إلى 7.36 في المئة، وارتفاع الجريان التراكمي من 8.52 إلى 8.55 في المئة، وانخفاض الغلة من 7.46 إلى 7.35 في المئة
3- فضل أسلوب عدم الحراثة مخزون كربون التربة في القمح الشتوي، إذ بلغت أعلى قيمة 286634 كيلوغرامًا للهكتار في الترب ذات الكربون العضوي بنسبة 7 في المئة، مقابل أدنى قيمة بلغت 5894 كيلوغرامًا للهكتار في الحراثة التقليدية مع كربون عضوي بنسبة 3.9 في المئة
4- بلغ متوسط الحد الأدنى لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون المكافئة في عدم الحراثة 3985 كيلوغرامًا للهكتار مقابل 7415 كيلوغرامًا في الحراثة التقليدية، وبلغ الحد الأقصى 8747 كيلوغرامًا مقابل 15356 كيلوغرامًا على الترتيب
5- أدى أسلوب عدم الحراثة إلى جريان سطحي أدنى من الحراثة التقليدية في جميع الترب المدروسة، بما يحد طبيعيًا من تولد الجريان ويسهم في تخفيف الفيضانات، والتقط النموذج أوجه عدم اليقين وقدم توزيعات احتمالية لاحقة تعكس العلاقات الشرطية بين المتغيرات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعم هذه النتائج التوجه نحو تبني عدم الحراثة ممارسة زراعية مستدامة تجمع بين زيادة مخزون كربون التربة وخفض الانبعاثات والجريان السطحي مع الحفاظ على الغلة، كما تمنح النمذجة البايزية المزارعين والمخططين أداة مرنة لتقويم البدائل قبل تطبيقها ميدانيًا، مع إمكانية التحسين المخصص بحسب خصائص كل تربة وظروفها
وتوصي الدراسة بتوظيف النموذج في تقويمات واسعة عبر ظروف مكانية وزمانية متنوعة، وتنسجم نتائجها مع أهداف التنمية المستدامة كما حددتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، وتحديدًا الهدف الثاني عشر الخاص بالإنتاج المسؤول والهدف الثالث عشر الخاص بالعمل المناخي، بما يربط إدارة الحراثة بأجندة الاستدامة العالمية
وتضيف الدراسة من الناحية المنهجية مثالًا تطبيقيًا على توظيف الشبكات البايزية في العلوم الزراعية والبيئية، إذ تتيح هذه الشبكات دمج معرفة الخبراء مع البيانات التجريبية والمحاكاة في نموذج واحد قابل للتحديث كلما توافرت معلومات جديدة، وهو ما يجعلها مناسبة بصورة خاصة لمسائل الاستدامة المعقدة التي تتشابك فيها العوامل المناخية والتربوية والاقتصادية
وخلاصة القول إن شبكة الاعتقاد البايزية أظهرت تفوق عدم الحراثة على الحراثة التقليدية في غلة القمح الشتوي ومخزون كربون التربة وانخفاض الانبعاثات والجريان السطحي، بما يقدم أساسًا علميًا لتبني ممارسات حراثة مستدامة تدعم الأمن الغذائي والعمل المناخي
