تحتل سفينة كيرينيا، التي عُثر عليها قبالة الساحل الشمالي لقبرص، مكانة مركزية في تاريخ الحفريات العلمية تحت الماء وفي تاريخ بناء السفن الإغريقية، وقد ظهر المجلد الأول من النشر النهائي للموقع عام 2023 مقدمًا معلومات أثرية مفصلة تضبط تأريخ السفينة في نطاق ضيق يتراوح حول عامي 294 و290 قبل الميلاد، غير أن هذا النطاق يستند إلى قراءة غير مؤكدة لعملة واحدة عُثر عليها في السفينة، وهو ما يجعل الحاجة ماسة إلى تأريخ علمي مستقل عالي الدقة يعزز هذا التقدير أو يصححه
غير أن محاولات التأريخ بالكربون المشع واجهت عقبة غير متوقعة، إذ فشلت القياسات المكثفة على مواد خشبية من السفينة وعلى محتويات قصيرة العمر من استخدامها الأخير في إنتاج تواريخ تنسجم مع القيود الأثرية عند استخدام منحنى المعايرة الحالي لنصف الكرة الشمالي، وتبين أن المشكلة تكمن في مقطع من المنحنى يغطي الفترة من 350 إلى 250 قبل الميلاد ويعتمد على بيانات كربون مشع قديمة سابقة لتقنية قياس الطيف الكتلي بالمسرعات، وهو ما دفع فريق البحث إلى إعادة بناء هذا المقطع من أساسه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء سجل معايرة منقح وأكثر دقة للفترة الممتدة من 433 إلى 250 قبل الميلاد، وتوظيفه في تأريخ سفينة كيرينيا تأريخًا مرضيًا بالجمع بين القياس العلمي والنمذجة الزمنية البايزية، ولتحقيق ذلك قاس الباحثون عينات جديدة من حلقات أشجار معلومة العمر تغطي الفترة من 350 إلى 250 قبل الميلاد، ودمجوا سلسلة أخرى جديدة من بيانات حلقات الأشجار معلومة العمر، كما اختبروا ما إذا كان يمكن تنظيف عينات خشب السفن المشبعة بمادة حافظة شائعة هي البولي إيثيلين غلايكول بنجاح، متضمنًا ذلك اختبارًا على عينة معلومة العمر، وامتد التحقق إلى سفينة مازوتوس، وهي سفينة تجارية إغريقية أخرى من الساحل الجنوبي لقبرص سبق نشر تأريخها حديثًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أتاح سجل المعايرة الجديد حلًا تأريخيًا مرضيًا لسفينة كيرينيا ينسجم مع القيود الأثرية، بعد أن تعذر ذلك باستخدام منحنى المعايرة السابق
2- أشارت النتائج إلى أن تأريخ السفينة قد يكون أحدث ببضع سنوات قليلة جدًا من التقديرات الحالية، دون أن يخرج عن النطاق العام المستقر في الأدبيات
3- أكدت البيانات الجديدة التأريخ المنشور حديثًا لسفينة مازوتوس ولم تعدله إلا تعديلًا طفيفًا جدًا، وهو ما يعزز الثقة في السجل المنقح عبر سفينتين مستقلتين
4- أظهرت الدراسة أن مقطع المنحنى القديم المعتمد على بيانات سابقة لتقنية المسرعات كان مصدر الخلل، وأن استبداله بقياسات حلقات أشجار معلومة العمر رفع دقة المعايرة للفترة كلها
5- عالجت الدراسة جانبًا عمليًا يتعلق بتنظيف عينات الخشب المشبعة بالمادة الحافظة، وهو ما يهم مختبرات التأريخ التي تتعامل مع أخشاب السفن المحفوظة بهذه المادة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجاوز دلالات هذه الدراسة تأريخ سفينة واحدة، فهي تقدم سجل معايرة أدق لفترة تاريخية مهمة من تاريخ البحر المتوسط، يستفيد منه كل باحث يؤرخ مواد عضوية تعود إلى القرون الأخيرة قبل الميلاد، كما تبين الدراسة قيمة التكامل بين الأدلة الأثرية والقياسات المخبرية والنمذجة البايزية في الوصول إلى تواريخ عالية الدقة، وتحذر في الوقت نفسه من الاعتماد غير النقدي على مقاطع قديمة من منحنيات المعايرة، وتفتح الباب لمراجعة تواريخ مواقع أخرى تأثرت بالمقطع نفسه من المنحنى
وتتصل هذه الدراسة بحقل متنامٍ يعنى بمراجعة منحنيات المعايرة ذاتها وتدقيق مقاطعها الضعيفة، فالمنحنى الدولي للمعايرة ليس بناء ثابتًا بل تراكم علمي يتطور مع توافر قياسات أدق، وحين يعتمد مقطع منه على بيانات قديمة محدودة الدقة فإن أخطاءه تنتقل بصمت إلى دراسات كثيرة تؤرخ مواد من الفترة نفسها، ومن هنا فإن إعادة القياس المنهجية لحلقات أشجار معلومة العمر تمثل خدمة للمجتمع العلمي كله، لأنها ترفع ثقة الباحثين بالتأريخ بالكربون المشع وهو أداة مركزية في علم الآثار وعلوم الأرض ودراسات المناخ القديم
وخلاصة القول إن إعادة قياس حلقات أشجار معلومة العمر أنتجت منحنى معايرة منقحًا للفترة من 433 إلى 250 قبل الميلاد، فحل إشكالية تأريخ سفينة كيرينيا، ورسخ في الوقت نفسه منهجًا للتحقق من سلامة أدوات التأريخ ذاتها قبل الاحتكام إليها
