يؤدي السلوك الاجتماعي الإيجابي دورًا حيويًا في رفاه المراهقين وأدائهم الاجتماعي، إذ يرتبط بقدرتهم على بناء علاقات سوية مع الآخرين والاندماج في مجتمعهم المدرسي والأسري، وتعد استعادة التجارب الوجدانية المبكرة من أبرز العوامل المؤثرة في هذا السلوك، فالتجارب الإيجابية مثل ذكريات الدفء والأمان المبكرة تسهم في بناء خصائص إيجابية في التعامل مع الآخرين من تعاطف واستعداد للمساعدة، بينما تقود التجارب السلبية مثل الإساءة النفسية والإهمال في الطفولة إلى الانسحاب الاجتماعي أو المشكلات السلوكية
غير أن أثر التجارب المبكرة في السلوك الراهن لا ينتقل غالبًا بصورة مباشرة فحسب، بل يمر عبر بنى نفسية وسيطة تتشكل خلال سنوات النمو، ويتأثر بسياقات اجتماعية واقتصادية تعدل من قوته واتجاهه، ومن هنا تبرز أهمية فحص الآليات الوسيطة والعوامل المعدلة التي تفسر كيف تتحول ذكريات الطفولة إلى أنماط سلوكية في المراهقة
وفي هذا السياق فحصت هذه الدراسة الآثار المباشرة لذكريات الدفء والأمان وللإساءة النفسية والإهمال في السلوك الاجتماعي الإيجابي لدى المراهقين، مع اختبار الدور الوسيط للسوتشي النفسي بوصفه بنية نفسية شاملة، والدور المعدل للحالة الاجتماعية الاقتصادية الذاتية، وتستند الدراسة في ذلك إلى منظور التجارب الوجدانية المبكرة الذي يعد ذكريات الطفولة العاطفية أساسًا تتشكل عليه أنماط العلاقة بالذات والآخرين في المراحل اللاحقة من العمر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الكشف عن الآثار المباشرة لذكريات الدفء والأمان المبكرة والإساءة النفسية والإهمال في مرحلة الطفولة في السلوك الاجتماعي الإيجابي لدى المراهقين، وفحص وساطة السوتشي النفسي لهذه الآثار وتعديل الحالة الاجتماعية الاقتصادية الذاتية لها، وطبقت الدراسة على عينة عشوائية قوامها 948 مراهقًا بمتوسط عمر 14.05 سنة وانحراف معياري قدره 1.68 سنة، وشكلت الإناث نسبة 43.6 في المئة من العينة، واستكمل المشاركون استبانات للتقرير الذاتي تقيس متغيرات الدراسة، وحللت البيانات بأساليب الارتباط وتحليل المسار لاختبار نموذج الوساطة والتعديل المقترح
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت نتائج الارتباط أن ذكريات الدفء والأمان المبكرة عززت السلوك الاجتماعي الإيجابي لدى المراهقين، بينما ارتبطت الإساءة النفسية والإهمال في الطفولة سلبًا بهذا السلوك، بما يؤكد امتداد أثر التجارب الوجدانية المبكرة إلى مرحلة المراهقة
2- أكدت تحليلات المسار الدور الوسيط للسوتشي النفسي في آثار كل من ذكريات الدفء والأمان والإساءة النفسية والإهمال في السلوك الاجتماعي الإيجابي، بما يعني أن التجارب المبكرة تؤثر في سلوك المراهق بدرجة مهمة عبر تشكيل بنيته النفسية الشاملة
3- تبين أن الحالة الاجتماعية الاقتصادية الذاتية تعدل أثر ذكريات الدفء والأمان في السلوك الاجتماعي الإيجابي، وأثر الإساءة النفسية والإهمال في السوتشي النفسي، فليست آثار الخبرات المبكرة واحدة لدى جميع المراهقين
4- اتضح أنه بالمقارنة مع الحالة الاجتماعية الاقتصادية الذاتية المنخفضة، فإن الحالة المرتفعة تعزز الأثر الإيجابي لذكريات الدفء والأمان في السلوك الاجتماعي الإيجابي، وتفاقم في الوقت ذاته الأثر السلبي للإساءة النفسية والإهمال في السوتشي النفسي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة فهمًا جديدًا للآليات الكامنة وراء السلوك الاجتماعي الإيجابي من منظور التجارب الوجدانية المبكرة، وتشير دلالاتها إلى أن برامج دعم المراهقين ينبغي أن تراعي الخلفيات الوجدانية المبكرة وما تتركه من آثار في البنية النفسية الشاملة، كما أن الاهتمام بتنمية السوتشي النفسي لدى المراهقين قد يكون مدخلًا فعالًا لتعزيز سلوكهم الاجتماعي الإيجابي، مع مراعاة الفروق في الحالة الاجتماعية الاقتصادية الذاتية عند تصميم التدخلات، والانتباه بوجه خاص إلى المراهقين ذوي الخلفيات الأسرية السلبية ممن ترتفع مكانتهم الذاتية المدركة، كما تفيد النتائج الآباء والمربين في إدراك الأثر الممتد لأجواء الدفء والأمان في الطفولة، وتدعو إلى وقاية مبكرة من الإساءة النفسية والإهمال بوصفهما عاملي خطر يمتد أثرهما إلى البنية النفسية والسلوك الاجتماعي في مرحلة المراهقة وما بعدها
وخلاصة القول إن التجارب الوجدانية المبكرة تترك بصمات ممتدة في سلوك المراهقين الاجتماعي الإيجابي، يعمل السوتشي النفسي وسيطًا في نقل كثير من آثارها، بينما تعدل الحالة الاجتماعية الاقتصادية الذاتية قوة بعض مسارات هذا التأثير واتجاهه، بما يجعل الاستثمار في البيئة الوجدانية المبكرة للطفل مدخلًا وقائيًا وعلاجيًا في آن واحد
