تعد الذاكرة العاملة البصرية المكانية من الآليات المعرفية العامة الأساسية التي تقوم عليها القدرات الرياضية ونموها لدى الأطفال، فهي التي تتيح للطفل الاحتفاظ بالمعلومات البصرية والمكانية ومعالجتها أثناء التعامل مع الأعداد والأشكال والعمليات الحسابية، غير أن هذه الذاكرة لا تمثل قدرة واحدة متجانسة، بل تنطوي على عمليات ومكونات متعددة قد تختلف في طبيعتها ووظائفها ودرجة نضجها عبر مراحل النمو
كما أن مفهوم الرياضيات ذاته مفهوم واسع يشمل مجالات ومهارات متعددة، من الحساب والهندسة إلى حل المسائل وتقدير الكميات، ولا تستند هذه المهارات جميعها إلى الأسس المعرفية ذاتها بالدرجة نفسها، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى مقاربات تحليلية قادرة على تفكيك هذه العلاقات الدقيقة بين مكونات الذاكرة ومهارات الرياضيات، بدل التعامل مع كل منهما كتلة واحدة يصعب تفسير ارتباطها بالآخر
وفي هذا الإطار جاءت هذه الدراسة لبحث العلاقة بين مكونات مختلفة من الذاكرة العاملة البصرية المكانية وعدد من القدرات الرياضية لدى أطفال المرحلة الابتدائية، معتمدة على تحليل الشبكات بوصفه أسلوبًا حديثًا يكشف بنية الارتباطات بين المتغيرات المتعددة في آن واحد وبدقة تفصيلية
وتنبع أهمية هذا التفكيك الدقيق من أن التدخلات التربوية المبنية على فهم عام وإجمالي للذاكرة قد لا تصيب موضع الحاجة الفعلية، فالطفل الذي يتعثر في مهارة رياضية معينة قد يحتاج إلى دعم مكون ذاكرة بعينه لا إلى تدريب شامل غير مميز، كما أن فهم البنية الدقيقة لهذه العلاقات يفيد في تفسير تباين أداء الأطفال في الرياضيات رغم تقارب قدراتهم العامة وأعمارهم وبيئاتهم التعليمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العلاقات بين مكونات الذاكرة العاملة البصرية المكانية المختلفة ومهارات رياضية متنوعة لدى عينة من الأطفال الإيطاليين في الصفوف من الثالث إلى الخامس الابتدائي، واعتمدت الدراسة على تحليل الشبكات وسيلة إحصائية لفحص هذه العلاقات، إذ يتيح هذا الأسلوب تمثيل المتغيرات عقدًا مترابطة ودراسة قوة الارتباط بين كل مكون من مكونات الذاكرة وكل مهارة رياضية على حدة، مع مراعاة شبكة العلاقات المتبادلة بين جميع المتغيرات في الوقت نفسه، بدل الاكتفاء بعلاقات إجمالية ثنائية قد تحجب الفروق الدقيقة بين المكونات والمهارات، ويمنح هذا التصميم التفصيلي الدراسة قدرة على رسم خريطة دقيقة للعلاقات بين الذاكرة والرياضيات لدى أطفال هذه المرحلة العمرية المهمة في تأسيس التعلم الرياضي وبناء مهاراته اللاحقة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت نتائج تحليل الشبكات أن بعض مكونات الذاكرة العاملة البصرية المكانية ترتبط ببعض القدرات الرياضية دون غيرها، بما يعني أن العلاقة بين الذاكرة والرياضيات علاقة انتقائية محددة بالمكون والمهارة معًا وليست علاقة شاملة عامة
2- تبين أن مكونات الذاكرة العاملة البصرية المكانية ليست متساوية في صلتها بالأداء الرياضي، فلكل مكون نمط ارتباطه الخاص بمهارات محددة يعكس طبيعة العمليات المعرفية التي يقوم بها ذلك المكون
3- كشفت النتائج أن القدرات الرياضية ذاتها تختلف فيما بينها في درجة اعتمادها على مكونات الذاكرة العاملة البصرية المكانية، فبعض المهارات وثيق الصلة بهذه المكونات بينما يبدو بعضها الآخر أقل ارتباطًا بها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة للممارسة التعليمية والتشخيصية، إذ تشير إلى أن تقييم صعوبات التعلم في الرياضيات ينبغي أن يراعي التمايز بين مكونات الذاكرة العاملة البصرية المكانية بدل التعامل معها بوصفها قدرة واحدة عامة، كما أن برامج التدخل والدعم التربوي يمكن أن تستهدف المكونات الأكثر صلة بالمهارات الرياضية المستهدفة تحديدًا، بما يرفع كفاءة التدخل ويوجه الجهود نحو مواضع الحاجة الفعلية لدى الطفل، ويفيد ذلك المعلمين والأخصائيين النفسيين في بناء خطط دعم فردية أدق وأكثر فاعلية، كما تبرز الدراسة قيمة تحليل الشبكات منهجًا لدراسة العلاقات المعرفية المعقدة، إذ يكشف عن الارتباطات بين المتغيرات ضمن شبكة علاقاتها المتبادلة كلها، وهو ما يقدم صورة أدق من الارتباطات الثنائية التقليدية التي قد تبالغ في تقدير بعض الصلات أو تحجب صلات أخرى جوهرية
وخلاصة القول إن العلاقة بين الذاكرة العاملة البصرية المكانية والمهارات الرياضية لدى الأطفال علاقة متعددة الأوجه تتحدد بالمكون المعرفي والمهارة الرياضية معًا، وهو ما يفتح الباب أمام فهم أدق لأسس التعلم الرياضي وسبل دعمه في المراحل المبكرة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-328X/13/4/294
DOI: 10.3390/bs13040294
