ألحقت جائحة كورونا أضرارًا بالغة باقتصاد تايلند، فاضطر كثير من العمال إلى العودة إلى مواطنهم الأصلية والانخراط في أنشطة زراعية، وبرزت السياحة المجتمعية استراتيجية مهمة للتخفيف من هذه الآثار عبر توظيف الموارد الثقافية المحلية في توليد الدخل وإحياء المجتمعات الريفية، وتمثل قرى الصيد التراثية مخزونًا ثقافيًا ومعماريًا قابلًا للتحول إلى منتج سياحي جاذب إذا أُدير بعناية تحفظ أصالته وتشرك مجتمعه المحلي
وتتناول هذه الدراسة قرية الصيد كوه بيرد في محافظة تشانثابوري بتايلند حالة للفحص، فتقيم إمكانات مواردها الثقافية للتنمية السياحية، وتفحص العوامل المؤثرة في نوايا السياح التايلنديين لإعادة زيارتها، بما يجمع بين تقويم الأصول التراثية وفهم سلوك الزائرين الذين يشكل تكرار زياراتهم ركيزة لاستدامة هذا النمط من السياحة
وتستند السياحة المجتمعية إلى مبدأ ملكية المجتمع المحلي للمنتج السياحي وإدارته ومشاركته في عوائده، وتمثل البيوت التاريخية في قرى الصيد التايلندية نموذجًا للتراث المعماري الحي الذي يجمع بين الوظيفة السكنية والقيمة الرمزية، إذ تحمل طرز البناء ومواده ذاكرة المكان ومهارات أجيال من الصيادين والحرفيين، ويشكل الحفاظ عليها شرطًا لجاذبية الوجهة وفرصتها في التميز عن منتجات سياحية مصطنعة قابلة للاستنساخ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم إمكانات الموارد الثقافية للتنمية السياحية في قرية الصيد كوه بيرد، وفحص العوامل المؤثرة في نوايا إعادة الزيارة لدى السياح التايلنديين، ولتحقيق الهدف الأول استخدم بحث نوعي قائم على مقابلات معمقة مع 15 سائحًا تايلنديًا حللت بياناتها بتحليل الترميز، إلى جانب مسح كمي شمل 400 مشارك لتقويم تصوراتهم عن الموارد الثقافية، ولتحقيق الهدف الثاني حللت بيانات 400 سائح تايلندي باستخدام التحليل العاملي الاستكشافي والتحليل العاملي التوكيدي والانحدار المتعدد
ويجمع تصميم الدراسة المزدوج بين عمق البحث النوعي في استكشاف تصورات السياح عن الموارد الثقافية واتساع المسح الكمي في تعميم النتائج وفحص علاقاتها إحصائيًا، وهو تكامل يمنح النتائج قوة تفسيرية مزدوجة، فالمقابلات المعمقة تفسر لماذا تُقدَّر بعض الأصول، بينما تكشف النماذج العاملية والانحدارية وزن كل عامل في قرار إعادة الزيارة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أدرك السياح أن البيوت التاريخية المعروفة ببيوت روان ران خا هي الأصول السياحية الأعلى قيمة في القرية بين مواردها الثقافية
2- جاءت الأصالة الثقافية في المرتبة الثانية من حيث القيمة المدركة، تلتها الجماليات، في ترتيب يعكس تقدير الزائرين للطابع التراثي الأصيل للقرية
3- أظهرت التحليلات الكمية أن عوامل الجذب في الوجهة والتسويق وسهولة الوصول والسلامة والأمن عوامل دالة في التأثير في نوايا إعادة الزيارة لدى السياح
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه هذه النتائج جهود تطوير السياحة المجتمعية في القرية نحو صون البيوت التاريخية وتقديمها بوصفها قلب المنتج السياحي، مع الحفاظ على الأصالة الثقافية التي يقدّرها الزائرون وعدم التفريط فيها لصالح تطويرات تمحو الهوية، كما تلفت إلى أن قرار إعادة الزيارة لا يتوقف على جاذبية المكان وحده بل يمتد إلى كفاءة التسويق وتيسير الوصول وضمان السلامة والأمن، وهي عناصر ينبغي أن تتكامل في خطط إدارة الوجهة إذا أريد تحويل الزيارة الأولى إلى ولاء متكرر يدعم دخل المجتمع المحلي واستدامته
وتفيد النتائج مخططي الوجهات المجتمعية عمومًا بأن الاستثمار في الترميم الموثق للبيوت التراثية وفي تدريب أبناء المجتمع على الإرشاد ورواية تاريخ قريتهم يرفع قيمة التجربة السياحية ويطيل أمد علاقتها بالزائر، شريطة إدارة أعداد الزائرين بما لا يرهق النسيج السكني والثقافي للقرية
كما يفتح ترتيب الأصول الثقافية الباب أمام خرائط استثمار مرحلية تبدأ بالبيوت التاريخية بوصفها نقطة الجذب الأولى ثم تتسع إلى الحرف الغذائية والممارسات البحرية والمهرجانات المحلية بما يوزع العائد على مزيد من الأسر داخل المجتمع
وخلاصة القول إن الأصول المعمارية التراثية والأصالة الثقافية رأس مال سياحي حقيقي لقرية كوه بيرد، وإن تنميته مقرونًا بجاذبية الوجهة والتسويق وسهولة الوصول والسلامة هو ما يبني نوايا إعادة الزيارة ويعزز السياحة المجتمعية المستدامة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2673-5768/6/5/228
DOI: 10.3390/tourhosp6050228
