يغير تبني الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل طريقة عمل المنظمات تغييرًا عميقًا، إذ يعيد تشكيل المهام والأدوار وعلاقات العمل، ويمتد أثره إلى الموظفين أنفسهم فيثير أسئلة جوهرية حول مستقبلهم المهني ورفاههم النفسي، فبينما تعد التقنية بكفاءة أعلى وتحرير للموظف من الأعمال الرتيبة، يخشى كثيرون من فقدان الوظائف وتكثيف الرقابة وتآكل الاستقلالية، ومع تسارع انتشار هذه الأنظمة تتزايد الحاجة إلى فهم علمي منظم لما تقوله الأدبيات عن تقاطع الذكاء الاصطناعي ورفاه الموظفين
وتتوزع الأدبيات القائمة بين دراسات متفائلة تركز على الإنتاجية والابتكار ودراسات قلقة ترصد الضغوط والمخاطر النفسية، دون أن تتكامل في صورة واحدة ترشد صانع القرار، فتأتي المراجعات الببليومترية والمنهجية لسد هذه الحاجة برسم خريطة المجال كميًا وتفسير اتجاهاته نوعيًا، والكشف عن الموضوعات الناضجة بحثيًا وتلك التي ما تزال هامشية رغم أهميتها العملية للمنظمات والموظفين على حد سواء
وتهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذا التقاطع عبر مسارين متكاملين، أولهما تحليل ببليومتري يرسم خريطة الإنتاج العلمي في المجال واتجاهاته وبنيته الموضوعاتية، وثانيهما تحليل منهجي معمق لدراسات مختارة يستخرج منها الفجوات النظرية والمجالات غير المستكشفة على نحو كاف، بما يقدم صورة شاملة عن حالة المعرفة الراهنة ويوجه الباحثين والممارسين إلى أولويات البحث والممارسة في المرحلة المقبلة، وتستند الدراسة في ذلك إلى افتراض أن مستقبل العمل الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتحدد بالتقنية ذاتها بقدر ما يتحدد بكيفية إدارتها تنظيميًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أُجريت الدراسة في شهر مايو من عام 2024 على مرحلتين، خُصصت الأولى للتحليل الببليومتري وفق أسلوب بريزما للمراجعات، وشملت البحث في قاعدتي سكوبس وشبكة العلوم عن الفترة من عام 2015 إلى عام 2024، فاختيرت 92 مقالة للتحليل الكمي بأداة فوس فيور لاستخراج شبكات التواجد المشترك للمفاهيم، أما المرحلة الثانية فبُنيت على تحليل منهجي معمق لخمس وعشرين مقالة اختيرت من المقالات المحددة سلفًا بحسب ملاءمتها لسؤال الدراسة، وخضعت لتحليل موضوعاتي معمق بأداة إن فيفو، ويجمع هذا التصميم الثنائي بين اتساع الخريطة الببليومترية وعمق التحليل الموضوعاتي، بما يتيح الانتقال من وصف حجم الأدبيات وبنيتها إلى فهم مضامينها وفجواتها
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر التحليل الببليومتري زيادة كبيرة في المنشورات ابتداء من عام 2020، بما يعكس تقدم البحث في المجال وتصاعد الاهتمام به عالميًا
2- برزت الولايات المتحدة والصين في مقدمة بلدان الإنتاج العلمي في هذا المجال بحسب التحليل الببليومتري الوارد في الدراسة
3- حدد تحليل التواجد المشترك أربع عناقيد موضوعاتية رئيسة هي الأخلاقيات واستقلالية العمل وضغوط الموظفين والصحة النفسية، بما يرسم ديناميات الذكاء الاصطناعي في البيئة المهنية
4- كشف التحليل المنهجي فجوات نظرية ومجالات غير مستكشفة، أبرزها الحاجة إلى دراسات ميدانية في سياقات ثقافية غير غربية ولدى فئات متنوعة ككبار السن وذوي المستويات التعليمية المنخفضة
5- شملت الفئات والقطاعات غير المدروسة كفاية في الأدبيات الصناعات الأولية والثانوية والمنشآت الصناعية الصغيرة ومراكز الاتصال وقطاعي الرعاية الصحية العام والخاص
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الأدبيات القائمة أهمية أن تطبق المنظمات استراتيجيات داعمة للموظفين تخفف الآثار السلبية المحتملة للذكاء الاصطناعي في رفاههم، مع الاستفادة في الوقت نفسه من مزاياه في تعزيز استقلالية العمل والرضا الوظيفي وتشجيع الابتكار المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر إبداع الموظفين وكفاءتهم الذاتية، كما توجه الدراسة الباحثين إلى سد الفجوات الثقافية والفئوية والقطاعية حتى لا تبقى المعرفة أسيرة سياقات غربية وفئات محدودة، ويمثل الاهتمام بالصحة النفسية للموظفين واستقلالية عملهم معيارين ينبغي أن يوازيا معايير الكفاءة عند تقويم أي مشروع لتبني الذكاء الاصطناعي في المنظمات
وخلاصة القول إن العلاقة بين تبني الذكاء الاصطناعي ورفاه الموظفين علاقة متعددة الأبعاد ما يزال فهمها في طور التشكل، وتقدم هذه الدراسة خريطة ببليومترية وتحليلًا منهجيًا يحددان بنية المجال وفجواته، بما يساعد المنظمات على تبني التقنية بمسؤولية والباحثين على توجيه جهودهم إلى الأسئلة الأكثر إلحاحًا
