لا تتشكل صورة الوجهات السياحية في أذهان الجمهور الدولي بالمناظر والمعالم وحدها، بل باللغة التي تُقدَّم بها تلك الوجهات وبالترجمة التي تنقل خطابها عبر الثقافات، ويعرض هذا المقال النتائج الأولية لمشروع دييتالي الذي يدرس دور اللغة والترجمة في تشكيل صورة إيطاليا الدولية وجهة سياحية من عشرينيات القرن الماضي إلى خمسينياته، وهي حقبة حافلة بالتحولات الكبرى من الفاشية والكساد الاقتصادي إلى إعادة الإعمار بعد الحرب، ويفتح المشروع نافذة على كيفية توظيف المؤسسات الرسمية للترجمة أداة لبناء الهوية الوطنية والترويج السياحي في الأسواق الناطقة بالإنجليزية
وتقع هذه الدراسة عند تقاطع تاريخ السياحة ودراسات الترجمة والتاريخ الثقافي، إذ لا تنقل الكتيبات السياحية معلومات عملية عن الفنادق والمواصلات فحسب، بل تصوغ سردية كاملة عن هوية البلد وشعبه وتاريخه موجهة إلى عين أجنبية قد لا تعرف إيطاليا إلا من هذه الصفحات، وقد أدركت الأنظمة السياسية في النصف الأول من القرن العشرين قوة هذه السرديات فاستثمرتها أدوات دعاية ناعمة، مما يجعل أرشيف وكالة السياحة الوطنية مختبرًا ثريًا لفهم كيفية تفاعل الترجمة مع متطلبات الدعاية السياسية وذوق السوق والتحولات الاقتصادية الكبرى في آن واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف دور اللغة والترجمة في تشكيل صورة إيطاليا الدولية وجهة سياحية خلال الفترة من 1919 إلى 1959، وركزت على وكالة السياحة الوطنية الإيطالية وحللت الكتيبات والنشرات والمواد ذات الصلة التي أنتجتها للأسواق الناطقة بالإنجليزية، واعتمدت على دراسة حالة لسلسلة كتيبات إيطاليا الصادرة بين 1920 و1937 لتتبع التحول في ممارسات الوساطة اللغوية عبر الزمن، كما يعمل مشروع دييتالي بالتوازي على تطوير قاعدة بيانات تنظم البيانات الوصفية لهذه المواد المتناثرة لدعم بحوث نوعية وكمية مستقبلية حول الخطاب السياحي متعدد اللغات وتطوره
ثانيًا: أبرز النتائج
1- كانت الترجمة والتوطين والتكييف عناصر محورية في استراتيجية التواصل لدى وكالة السياحة الوطنية، إذ يسرت التمثيل الثقافي وكيفت الخطاب استجابة للتغيرات الثقافية والسياسية والسوقية عبر العقود المدروسة
2- أظهرت دراسة حالة سلسلة كتيبات إيطاليا انتقالًا واضحًا من الترجمات الحرفية إلى أشكال أكثر تكييفًا وحساسية تجاه السوق من الوساطة اللغوية، بما يعكس وعيًا متناميًا بتوقعات الجمهور في بريطانيا والولايات المتحدة
3- أسهم الخطاب متعدد اللغات للوكالة في بناء هوية إيطاليا وجهة جذابة للجمهور الدولي، عبر تقديم صورتها بطرائق تراعي الخلفيات الثقافية للمتلقين وأذواقهم
4- ما تزال قاعدة بيانات المشروع قيد التطوير، وهي مصممة لتنظيم البيانات الوصفية للمواد المتناثرة وتمكين الباحثين من دراسات لاحقة نوعية وكمية حول التراث الترويجي السياحي الإيطالي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز النتائج أن الترجمة السياحية ليست نقلًا لغويًا محايدًا بل ممارسة ثقافية وسياسية تشارك في صنع صورة الدول في الخارج، وأن نجاح الترويج السياحي الدولي يرتبط بفهم عميق لثقافة الجمهور المستهدف وتكييف الرسائل معه بدل الاكتفاء بالنقل الحرفي، وهي دروس ما تزال راهنة لوكالات السياحة المعاصرة التي تخاطب أسواقًا متعددة اللغات والثقافات، كما يقدم مشروع دييتالي بنيته البيانية المتنامية موردًا بحثيًا يتيح دراسة تطور الخطاب السياحي عبر قرن كامل وربط ممارسات الماضي بأسئلة الحاضر حول التوطين والهوية والتسويق الثقافي
ويضيء التحول من الحرفية إلى التكييف الثقافي درسًا منهجيًا مهمًا لدراسات الترجمة التطبيقية، فقد تبين للمؤسسات مبكرًا أن الإقناع السياحي لا يتحقق بسلامة النقل اللغوي وحده، بل بإعادة صياغة الرسائل بما يلائم مرجعيات المتلقي وقيمه وتوقعاته، وهي الرؤية التي ستتبلور لاحقًا في نظريات التوطين والترجمة الوظيفية، كما يمنح توثيق هذه المواد المتناثرة في قاعدة بيانات منظمة الباحثين إمكان تتبع الصور النمطية والسرديات الوطنية عبر الزمن ومقارنتها بين الأسواق المختلفة، بما يثري فهم تاريخ تمثيل الأمم لذاتها أمام العالم
وخلاصة القول إن تجربة وكالة السياحة الوطنية الإيطالية بين 1919 و1959 تثبت أن اللغة والترجمة كانتا في صلب بناء صورة إيطاليا السياحية عالميًا، وأن الانتقال من الحرفية إلى التكييف الثقافي كان مفتاح الوصول إلى الجمهور الدولي، وهو ما يمنح هذه الدراسة التاريخية قيمة عملية لصناع الترويج السياحي والباحثين في دراسات الترجمة على حد سواء
