شكلت جائحة كوفيد-19 تحديًا غير مسبوق للأنظمة الصحية في العالم أجمع، وأثارت أسئلة جوهرية حول قدرة هذه الأنظمة على الاستجابة والصمود وإعادة التوازن بعد الصدمة، ويحظى نظام الرعاية الطبية الهرمي في الصين باهتمام خاص بوصفه نموذجًا يوزع المرضى بين مستشفيات أولية ومستشفيات عالية المستوى وفق خطورة الحالة، فكان من المهم تقييم كيفية تعامل هذا النظام مع الجائحة في الأجلين القصير والمتوسط، وتتناول هذه الدراسة هذا التقييم عبر قياس أعداد الزيارات وتوزيعها والإنفاق الصحي بين المستويات المختلفة للمستشفيات في بكين أثناء سنوات الجائحة مقارنة بفترة الأساس السابقة عليها، بما يقدم دروسًا مستفادة لإدارة الأنظمة الصحية في الأزمات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم كيفية تعامل نظام الرعاية الطبية الهرمي في الصين مع جائحة كوفيد-19 في الأجلين القصير والمتوسط، وقد استُخرجت بيانات تشغيل المستشفيات من منصة معلومات الإحصاءات الصحية البلدية، وقُسمت فترة الجائحة في بكين من يناير 2020 إلى أكتوبر 2021 إلى خمس مراحل تبعًا لخصائص كل مرحلة، واتخذت الدراسة فترة 2017 إلى 2019 السابقة للجائحة أساسًا مرجعيًا للمقارنة، وتمثلت مؤشرات النتائج الرئيسة في النسبة المئوية للتغير في زيارات المرضى المنومين وزيارات العيادات الخارجية والطوارئ والعمليات الجراحية، وفي التغير في توزيع المرضى بين مستويات المستشفيات المختلفة عبر النظام الهرمي، إضافة إلى الإنفاق الصحي المقابل في كل مرحلة من مراحل الجائحة الخمس
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن النظام تعافى في وقت قصير نسبيًا رغم حدة الصدمة الأولى، ويمكن إجمال أبرز النتائج فيما يأتي
1- تراجعت زيارات مستشفيات بكين بحدة في مرحلة تفشي الجائحة، إذ انخفضت زيارات العيادات الخارجية بنسبة 44.6 في المئة والمنومين بنسبة 47.9 في المئة والطوارئ بنسبة 35.6 في المئة ومنومي العمليات بنسبة 44.5 في المئة
2- تراجع الإنفاق الصحي تزامنًا مع ذلك بنسبة 30.5 في المئة للعيادات الخارجية وبنسبة 43.0 في المئة للمنومين
3- استوعبت المستشفيات الأولية نسبة أعلى من مرضى العيادات الخارجية بمقدار 9.51 في المئة فوق مستوى ما قبل الجائحة في المرحلة الأولى، غير أن هذه الزيادة تقلصت إلى 1.74 في المئة فقط في المرحلتين الرابعة والخامسة
4- عادت أعداد المرضى ومنهم مرضى العيادات الخارجية من خارج المدينة إلى مستويات الأساس المرجعية في المرحلة الرابعة، وعاد إنفاق العيادات الخارجية والمنومين إلى مستوى الأساس في المرحلة الثالثة ثم ارتفع بنحو 10 في المئة فوق مستويات ما قبل الجائحة في المرحلتين الرابعة والخامسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير دلالات النتائج إلى أن النظام الهرمي تعامل مع الجائحة في وقت قصير نسبيًا، وأن المرحلة المبكرة عكست دورًا معززًا للمستشفيات الأولية، غير أن هذا التحول لم يغير بصورة دائمة تفضيلات المرضى للمستشفيات عالية المستوى، كما أن ارتفاع الإنفاق في المرحلتين الرابعة والخامسة مقارنة بالأساس المرجعي قد يشير إلى إفراط في علاج المستشفيات أو طلب علاجي زائد من المرضى، وعليه تقترح الدراسة تحسين قدرة الخدمة في المستشفيات الأولية وتغيير تفضيلات المرضى عبر التثقيف الصحي في عالم ما بعد الجائحة، وهي دروس تتصل مباشرة بسياسات توزيع الموارد الصحية وبناء مرونة الأنظمة الطبية الهرمية في مواجهة الأزمات المقبلة
ويكتسب هذا التقييم أهميته من كونه يرصد سلوك نظام صحي ضخم تحت ضغط وبائي مفاجئ عبر بيانات تشغيل فعلية شاملة، لا عبر استطلاعات محدودة، فتتقاطع مؤشرات الزيارات والإنفاق والتوزيع بين المستويات لترسم صورة متماسكة لقدرة النظام على التكيف وإعادة الانتشار، كما يبرز التحليل الفارق بين الاستجابة التكتيكية قصيرة الأجل المتمثلة في لجوء المرضى مؤقتًا إلى المستشفيات الأولية وبين البنية الراسخة لتفضيلات المرضى وثقتهم بالمستشفيات الكبرى، وهي معضلة تواجهها أنظمة صحية هرمية كثيرة حول العالم تسعى إلى تقوية بوابة الرعاية الأولية وإدارة الطلب بكفاءة وعدالة بين فئات المجتمع
وخلاصة القول إن تجربة بكين أظهرت قدرة النظام الطبي الهرمي على امتصاص صدمة الجائحة واستعادة مستويات التشغيل والإنفاق المرجعية خلال فترة وجيزة، مع بروز مؤقت لدور المستشفيات الأولية لم يتحول إلى تغير دائم في سلوك المرضى، وتدعو الدراسة إلى الاستثمار في قدرات الرعاية الأولية وتكثيف التثقيف الصحي لتوجيه الطلب نحو المستوى الملائم من الرعاية، بما يعزز كفاءة النظام وعدالته واستعداده لأي أزمات صحية مستقبلية
