يعد الفوسفور عنصرًا غذائيًا أساسيًا لنمو النباتات وإنتاجيتها، غير أن نسبة كبيرة منه في التربة الزراعية توجد في صور غير متاحة للامتصاص، الأمر الذي يدفع المزارعين إلى الاعتماد المكثف على الأسمدة الكيميائية الفوسفاتية بما تحمله من أعباء اقتصادية وبيئية، ومن هنا يتجه البحث الزراعي المعاصر نحو بدائل حيوية مستدامة تستثمر الكائنات الدقيقة النافعة في تحسين خصوبة التربة ورفع كفاءة استخدام العناصر الغذائية
وفي مقدمة هذه البدائل تأتي البكتيريا المذيبة للفوسفات التي تمتلك القدرة على تحويل الفوسفور غير الذائب في التربة إلى صور متاحة يستطيع النبات امتصاصها والاستفادة منها، وتتناول هذه الدراسة التطبيقية أثر توظيف هذه البكتيريا في إتاحة الفوسفور بالتربة الزراعية وفي نمو نبات القمح بوصفه أحد أهم محاصيل الحبوب الغذائية في العالم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد أثر البكتيريا المذيبة للفوسفات في إتاحة الفوسفور في التربة الزراعية وفي نمو القمح، معدودة هذه البكتيريا وإتاحة الفوسفور متغيرين رئيسين في التصميم، واعتمدت الدراسة المنهج التجريبي بأربع مجموعات من الأصص يحوي كل منها كيلوغرامًا واحدًا من تربة مزروعة بالقمح، هي مجموعة ضابطة دون لقاح بكتيري، وثلاث مجموعات عوملت باللقاح بنسب 5 و10 و15 في المئة، بواقع ثلاث مكررات لكل مجموعة، وباستخدام معلق بكتيري بتركيز ثلاثة مضروبة في عشرة مرفوعة إلى القوة الثامنة من وحدات تكوين المستعمرات في المليلتر، وقُيمت مؤشرات نمو شتلات القمح في اليومين التاسع والعشرين والخامس والأربعين، في حين قُدرت إتاحة الفوسفور في التربة في اليوم الخامس والأربعين
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أثرًا واضحًا ودالًا للبكتيريا المذيبة للفوسفات في نمو القمح وإتاحة الفوسفور، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية
1- حققت المعاملة باللقاح البكتيري بنسبة 10 في المئة نتائج متفوقة في نمو الشتلات مقارنة ببقية المعاملات والمجموعة الضابطة، فكانت الأفضل في ارتفاع النبات وفي الكتلة الحيوية الجافة للأجزاء الهوائية والكتلة الحيوية الجافة للجذور
2- جاءت الفروق في مؤشرات النمو المذكورة عالية الدلالة الإحصائية عند مستوى دلالة يقل عن 0.0001، بما يؤكد أن التحسن المرصود ليس محض مصادفة بل أثر حقيقي للمعاملة البكتيرية
3- حسنت جرعة اللقاح بنسبة 10 في المئة إتاحة الفوسفور في التربة فرفعتها من 72.77 جزءًا في المليون إلى 96.68 جزءًا في المليون مقارنة بالمجموعة الضابطة، مع فروق طفيفة في الانحرافات المعيارية بين القراءات
4- لم تتفوق النسبة الأعلى من اللقاح وهي 15 في المئة على نسبة 10 في المئة، بما يشير إلى وجود جرعة مثلى تتحقق عندها أفضل استجابة للنبات والتربة معًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالات الدراسة أن البكتيريا المذيبة للفوسفات تمثل بديلًا مستدامًا واعدًا لتعزيز الإنتاجية الزراعية وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية الفوسفاتية، إذ تجمع بين تحسين تغذية النبات ورفع كفاءة استغلال الفوسفور الموجود أصلًا في التربة، بما يخفض كلف الإنتاج ويحد من الأعباء البيئية المصاحبة للإفراط في التسميد الكيميائي، وتفتح النتائج الباب أمام تجارب حقلية أوسع تختبر هذه الجرعة المثلى في ظروف مناخية وأنواع تربة مختلفة، وصولًا إلى صيغ لقاحات حيوية قابلة للتطبيق التجاري في مزارع القمح وغيره من المحاصيل
وتندرج هذه الدراسة ضمن توجه بحثي عالمي متنام يبحث في توظيف الأسمدة الحيوية والكائنات الدقيقة النافعة في رفع كفاءة استخدام الأسمدة المعدنية وخفض كلفتها البيئية، وتكتسب أهميتها من تركيزها على محصول استراتيجي هو القمح الذي يرتبط إنتاجه مباشرة بالأمن الغذائي العالمي، فضلًا عن اختبارها نسبًا متدرجة من اللقاح البكتيري بما يقدم دليلًا تجريبيًا على الجرعة المثلى بدل الاكتفاء بمقارنة وجود اللقاح وغيابه، وهو ما يفيد المزارعين والمرشدين الزراعيين وشركات إنتاج المستحضرات الحيوية عند نقل هذه النتائج من الأصص التجريبية إلى الحقول المفتوحة بظروفها المناخية والتربوية الأكثر تنوعًا وتعقيدًا
وخلاصة القول إن توظيف البكتيريا المذيبة للفوسفات بجرعة مدروسة قدرها 10 في المئة أثبت فعالية واضحة في إتاحة الفوسفور ونمو القمح، وهو ما يعزز التوجه نحو الزراعة المستدامة التي تستثمر الحلول الحيوية الصديقة للبيئة في تحقيق الأمن الغذائي دون استنزاف الموارد أو الإضرار بالنظم البيئية
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/17/10/4545
DOI: 10.3390/su17104545
