اكتسب الإقراض من نظير إلى نظير زخمًا كبيرًا في المشهد المالي، ولا سيما في الاقتصادات النامية مثل إندونيسيا حيث ما زال الوصول إلى الخدمات المصرفية التقليدية تحديًا يواجه كثيرين، ويقوم هذا النمط على إقراض الأموال للأفراد عبر وسطاء ماليين رقميين على الشبكة، حيث غالبًا ما لا توجد علاقة سابقة بين المقترضين والمقرضين، الأمر الذي يجعل اختيار المنصة المناسبة وتقييمها قرارًا تحكمه عوامل متداخلة كالمخاطر والعائد وخصوصية البيانات
تسعى هذه الدراسة إلى بحث تطبيق هندسة القيمة بوصفها نظامًا لدعم القرار في اختيار منصات الإقراض من نظير إلى نظير وتقييمها، متخذة من إندونيسيا دراسة حالة، فهندسة القيمة منهج منظم لتحسين قيمة المنتج أو الخدمة، وكلا النظامين، هندسة القيمة والإقراض من نظير إلى نظير، نظام تقني واقتصادي يستهدف رفع القيمة الكلية وكفاءة النظام أو العملية وإن اختلفت مقاربات كل منهما وأدواته
وتطرح وفرة المنصات العاملة في هذا القطاع سؤالًا عمليًا لدى جميع المتعاملين، أي المنصات تستحق الثقة والاختيار، فالفروق بين المنصات في أسعار الفائدة والرسوم ومستويات المخاطر ليست ظاهرة للعيان دائمًا، وكثيرًا ما يُتخذ قرار الاختيار بناء على معلومات جزئية أو انطباعات تسويقية، ما يجعل الحاجة إلى إطار تقييم منهجي متعدد الأبعاد حاجة ملحة في هذا القطاع سريع النمو
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بنت الدراسة إطارًا شاملًا لتطبيق هندسة القيمة نظامًا لدعم قرار اختيار منصات الإقراض من نظير إلى نظير وتقييمها في إندونيسيا، يقوم على تحديد العوامل الرئيسة المؤثرة في قرارات الإقراض وترتيب أولوياتها، وفي مقدمتها المخاطر والعائد وخصوصية البيانات، ثم اشتقاق مؤشر لهندسة القيمة يقيس أداء المنصات قياسًا مقارنًا، بما يمكّن المنصات من تعزيز عرض القيمة المقدم للمقترضين والمقرضين معًا، ويمكّن المستهلكين والجهات المنظمة من تقييم المنصات بمعايير موضوعية موحدة قابلة للمقارنة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن مؤشر هندسة القيمة المطوَّر في هذه الدراسة يميّز بفاعلية بين منصات الإقراض من نظير إلى نظير استنادًا إلى أدائها، ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة ما يأتي: 1- تبين أن المنصات ذات مؤشر القيمة المرتفع تقدم أسعار فائدة تنافسية ورسومًا أقل وإدارة متفوقة للمخاطر، كما يتجلى في معدلات قروضها غير المنتجة، 2- ارتبطت المنصات ذات مؤشر القيمة المنخفض بمعدلات أعلى من القروض غير المنتجة وبشروط أقل ملاءمة لأصحاب المصلحة من مقترضين ومقرضين، 3- أثبت الإطار المقترح قدرته على جمع جوانب العائد والمخاطر والرسوم في مؤشر واحد يتيح ترتيب المنصات ترتيبًا موضوعيًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج إرشادًا عمليًا لمنصات الإقراض من نظير إلى نظير وللجهات المنظمة وللمستهلكين، وتبرز أهمية مقاربة هندسة القيمة في تحسين اختيار المنصات، كما تعزز استدامة منظومة هذا النمط من الإقراض في إندونيسيا، فحين تتضح الفروق بين المنصات بمؤشر موضوعي يتراجع اعتماد القرار على الانطباعات العامة، وتتحسن حماية أموال المقرضين وحقوق المقترضين في بيئة مالية رقمية سريعة النمو ومتزايدة التنافس
ويمكن أن يمتد توظيف مؤشر هندسة القيمة إلى تطوير أدوات مقارنة دورية تُنشر نتائجها للجمهور، فترتفع شفافية السوق وتتحسن المنافسة بين المنصات على أسس موضوعية، كما يفيد المؤشر إدارات المنصات ذاتها في تشخيص مواضع الخلل في عرض القيمة المقدم، سواء تعلق الأمر بالرسوم أو إدارة المخاطر أو شروط التعامل مع أصحاب المصلحة، وبذلك تتحول هندسة القيمة من أداة هندسية تقليدية إلى لغة مشتركة بين أطراف المنظومة المالية الرقمية، وتفتح الدراسة بذلك مسارًا لدراسات مقارنة لاحقة تختبر المؤشر نفسه في بلدان وقطاعات مالية رقمية أخرى للتحقق من ثبات دلالاته وحدود تعميمه
وخلاصة القول إن توظيف هندسة القيمة في تقييم منصات الإقراض من نظير إلى نظير يحوّل الاختيار بين المنصات إلى قرار منهجي قابل للقياس والمقارنة، ويمنح جميع الأطراف، منصات ومنظمين ومستهلكين، أداة عملية لرفع كفاءة هذا القطاع الناشئ وترسيخ ثقة المتعاملين فيه
