تميل الخيول حين تمارس الرياضة بحرية إلى تنظيم شدة جهدها ذاتيًا، وتتعدد الدوافع المؤثرة في هذا التنظيم بين دوافع اجتماعية ودوافع مرتبطة بالتغذية وسلوك الهروب والإشراط الإجرائي، وقد لفتت هذه الظاهرة انتباه الباحثين في فسيولوجيا التمرين لدى الخيول، إذ إن فهمها قد يفتح بابًا لتشجيع الخيول على الحركة والتدريب دون اللجوء إلى أدوات الإلزام التقليدية كالسوط، وهو ما ينسجم مع توجه متنامٍ نحو تحسين رفاه الخيول في التدريب والسباقات
وانطلق الباحثون من فرضية مفادها أن الشدة المنظمة ذاتيًا قد ترتفع بوجود حصان آخر يمارس الرياضة في المقدمة، فالحصان حيوان اجتماعي شديد التأثر بأقرانه، وإذا أدرك صورة حصان يهرول أمامه فقد يحاكي إيقاعه ويزيد نشاطه طوعًا، وهو ما يعرف بالتيسير الاجتماعي للحركة، غير أن اختبار هذه الفرضية تجريبيًا يتطلب ضبطًا دقيقًا للمثيرات البصرية وفصلها عن غيرها من المؤثرات، وهو التحدي الذي عالجته الدراسة بتصميم تجريبي متقاطع محكم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق مما إذا كانت الخيول قادرة على إدراك حركة حصان آخر والتكيف معها، وخُصصت سبعة خيول لتجربة متقاطعة بتصميم ثنائي في ثنائي بعد تعويدها على جهاز المشي، وعُرضت أمام وحدة التجربة الموضوعة على الجهاز صور فيديو لحصان يهرول على الجدار بوصفها مثيرًا بصريًا، وقورنت بصور مضبطة لمضمار سباق خالٍ من الخيول، وقُيست مؤشرات فسيولوجية وسلوكية في ثلاث لحظات هي الراحة قبل الاختبار، وبعد الإحماء حتى الدقيقة العاشرة، وبعد المثير البصري أو المثير المضبط حتى الدقيقة الثانية عشرة، وشملت القياسات تركيز اللاكتات والجلوكوز في البلازما ومعدل ضربات القلب وزاوية الرأس وعلامات سلوكية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- كان معدل ضربات القلب بعد المثير البصري أعلى منه في الحالة المضبطة، إذ بلغ 130.8 نبضة في الدقيقة مقابل 84.7 نبضة، وكانت الدلالة الإحصائية 0.017، بما يعكس استثارة فسيولوجية واضحة لدى الخيول
2- ارتفع تركيز اللاكتات في البلازما بعد المثير البصري إلى 5.28 مليغرام لكل ديسيلتر مقابل 3.27 في الحالة المضبطة بدلالة إحصائية قدرها 0.042، وهو ما يشير إلى تنشيط المسارات اللاهوائية المنتجة لحمض اللاكتيك
3- ازدادت زاوية الرأس بعد المثير البصري إلى 36.43 درجة مقابل 25.14 درجة في الحالة المضبطة بدلالة إحصائية قدرها 0.003، بما يدل على انتقال الخيول إلى حالة يقظة وانتباه
4- سادت علامة توجيه الأذنين إلى الأمام بعد المثير البصري لدى جميع الخيول السبعة بنسبة مئة في المئة، مقابل حصان واحد من سبعة في الحالة المضبطة، بدلالة إحصائية قدرها 0.004
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج مجتمعة إلى أن المثير البصري كان آمنًا وجيد التحمل من الخيول، وأنه حفز المسارات اللاهوائية وحول السلوك إلى حالة يقظة، بما يثبت أن الخيول قادرة على إدراك البيئة الاجتماعية المتحركة والتكيف معها، وتدعم هذه الخلاصة توظيف التيسير الاجتماعي للهرولة في تشجيع الخيول على التقدم إلى الأمام تجنبًا لاستخدام السوط، وهو أفق تطبيقي مهم لمدربي الخيول والقائمين على رعايتها، إذ يتيح رفع شدة التدريب بوسيلة طبيعية منسجمة مع سلوك الحيوان الاجتماعي بدل وسائل الإكراه
وتنسجم هذه النتائج مع طبيعة الحصان بوصفه حيوان قطيع يعتمد في سلامته على الانتباه الجماعي لإشارات الخطر والحركة، فمتابعة الأقران ليست ترفًا سلوكيًا بل آلية بقاء راسخة تطوريًا، وحين وظفت الدراسة هذه الآلية في بيئة مضبطة على جهاز المشي أمكن فصل أثر الرؤية وحدها عن أثر الأصوات والروائح والاحتكاك الجسدي، وهو فصل ضروري للادعاء العلمي الدقيق، كما أن استخدام صور مضبطة لمضمار خال من الخيول استبعد احتمال أن تكون الاستجابة لمجرد تغير بصري أيًا كان محتواه
وخلاصة القول إن صورة حصان يهرول في المقدمة كانت كافية لتغيير فسيولوجيا الخيول وسلوكها تغييرًا دالًا إحصائيًا في معدل القلب واللاكتات وزاوية الرأس وتوجيه الأذنين، وهو دليل تجريبي على أن الإدراك الاجتماعي البصري لدى الخيول أعمق مما يبدو، وأن تسخير هذا الإدراك في التدريب قد يجمع بين رفع كفاءة الأداء وصون رفاه الحيوان في آن واحد، ويفتح المجال لبحوث تالية تستكشف أشكالًا أخرى من المحاكاة الاجتماعية في إدارة الخيول وتدريبها
المصدر الأصلي: https://dx.plos.org/10.1371/journal.pone.0309474
DOI: 10.1371/journal.pone.0309474
