تكتسب السياحة المستدامة أهمية متزايدة بوصفها رافدًا لسبل العيش المحلية في المجتمعات الريفية، غير أن تطويرها كثيرًا ما يصطدم بقيود مالية تحد من قدرة الوجهات على تحسين خدماتها وبنيتها التحتية، ومن هنا برزت الحاجة إلى آليات تمويل ذاتية تنبع من تجربة السائح ذاته، وفي مقدمتها العلاقة بين رضا السياح واستعدادهم للدفع مقابل تحسين خدمات السياحة المجتمعية، وهي علاقة لم تحظ باهتمام بحثي كاف في سياقات القرى السياحية النامية التي تعتمد على زوارها مصدرًا رئيسًا للدخل
وتقدم قرية لاك في فيتنام نموذجًا لهذا النوع من الوجهات التي تعتمد على السياحة المجتمعية مصدرًا للدخل المحلي، إذ تجمع بين المقومات الثقافية والطبيعية وبين حاجة ملحة إلى الاستثمار في جودة الطعام والخدمات والبنية التحتية، وقد سعت الدراسة إلى فهم ما يدفع السياح إلى المساهمة المالية في تطوير الوجهة التي يزورونها، وكيف يمكن تحويل رضاهم إلى مصدر تمويل مستدام يعزز دخل المجتمع المحلي ويحفظ مقوماته، وتزداد أهمية هذا الفهم في ظل منافسة متنامية بين الوجهات الريفية على جذب الزوار الشباب الذين يبدون حساسية خاصة تجاه قضايا الاستدامة والبيئة
ويندرج هذا الاهتمام ضمن توجه عالمي أوسع نحو تمويل التنمية السياحية المحلية من موارد الوجهة ذاتها بدل الاعتماد الدائم على المنح الخارجية المتقلبة، إذ يمنح هذا التوجه المجتمعات المحلية قدرًا أكبر من الاستقلال في قرارات تطوير منتجها السياحي، ويربط بين جودة التجربة المقدمة للزائر وبين الموارد المتاحة لتحسينها ربطًا مباشرًا، فتنشأ حلقة متصاعدة يمول فيها رضا اليوم تطوير الغد، وهو منطق يستحق الفحص التجريبي في بيئات سياحية متنوعة الثقافات والمستويات الاقتصادية، لأن تعميمه دون اختبار قد يقود إلى توقعات مفرطة في التفاؤل بشأن قدرة الوجهات الفقيرة على تمويل نفسها بنفسها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين رضا السياح واستعدادهم للدفع مقابل تحسينات في خدمات السياحة المجتمعية، والتعرف إلى العوامل المؤثرة في هذا الاستعداد وفي رضا السياح ذاته، واستخدمت الدراسة منهجًا تحليليًا جديدًا يجمع بين نمذجة المعادلات البنيوية بالمربعات الصغرى الجزئية وإطار العقل الإسفنجي البايزي في منهج أطلق عليه منهج برج خوك الثقافي، وحللت بيانات جمعت من 275 مستجيبًا شابًا في فترتين زمنيتين هما منتصف ديسمبر 2024 ومنتصف أغسطس 2025، بما أتاح اختبار العلاقات بين الرضا والوضع المالي والاهتمامات البيئية وتقييم الجودة البيئية من جهة والاستعداد للدفع من جهة أخرى
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج أن رضا السياح منبئ قوي باستعدادهم للدفع مقابل تحسين خدمات السياحة المجتمعية، فكلما ارتفع رضاهم ازدادت رغبتهم في المساهمة المالية في تطوير الوجهة التي يزورونها
2- بينت النتائج أن الوضع المالي للسائح واهتماماته البيئية وتقييمه لجودة البيئة في الوجهة عوامل مؤثرة أيضًا في استعداده للدفع إلى جانب رضاه
3- كشفت النتائج أن جودة الطعام وجودة تقديم الخدمة والبنية التحتية هي العوامل الرئيسة التي تشكل رضا السياح في سياقات السياحة المجتمعية
4- أوضحت النتائج أن آليات التمويل القائمة على رضا السياح قادرة على فتح مصادر إيراد مستدامة لوجهات السياحة المجتمعية متى وجهت الاستثمارات نحو أبعاد جودة الخدمة الأكثر تأثيرًا في الرضا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج مديري الوجهات السياحية وصانعي السياسات الساعين إلى تعزيز الاستدامة المالية للسياحة المجتمعية، إذ توجههم إلى تنسيق جهود أصحاب المصلحة، وإعطاء الأولوية لتحسينات البنية التحتية المؤثرة في تجربة السائح، وبناء أنظمة شفافة لإدارة الأموال المحصلة من مساهمات السياح، كما تصلح منهجية الدراسة التحليلية الجديدة إطارًا قابلًا للتطبيق في وجهات مشابهة لقرية لاك تسعى إلى فهم سلوك زوارها وتمويل تطويرها ذاتيًا دون اعتماد كلي على التمويل الخارجي
وخلاصة القول إن رضا السائح ليس مجرد مؤشر لجودة التجربة السياحية، بل مورد مالي كامن يمكن أن يمول استدامة الوجهة ذاتها، فحين يشعر السائح بجودة الطعام والخدمة والبنية التحتية يصبح أكثر استعدادًا للمساهمة في تطوير المكان الذي منحه تلك التجربة
