يُعد الاحتراق المهني لدى المعلمين من أبرز المشكلات التي تواجه الأنظمة التعليمية المعاصرة، لما يترتب عليه من آثار في جودة التدريس واستقرار الكوادر التعليمية ورضا المعلمين عن مهنتهم، وتتعدد العوامل المرشحة لإثارته بين ضغوط العمل ومتطلبات المساءلة وأعباء العمل الوجداني التي يفرضها التعامل اليومي مع الطلاب وأولياء الأمور والإدارة
وعلى الرغم من شيوع الافتراض بأن تشديد المساءلة الخارجية يرهق المعلمين ويدفعهم نحو الاحتراق، فإن العلاقات بين المساءلة الخارجية والداخلية والعمل الوجداني والاحتراق لم تُدرس دراسة وافية متكاملة، وهو ما سعت هذه الدراسة إلى معالجته في سياق نظام التعليم الصيني ببناء نموذج وساطة متسلسلة واختباره ميدانيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج وساطة متسلسلة واختباره لبيان العلاقات بين المساءلة الخارجية والاحتراق المهني لدى المعلمين، عبر الدور الوسيط المتسلسل للمساءلة الداخلية والعمل الوجداني، انطلاقًا من أن المساءلة الخارجية قد لا تؤثر في الاحتراق تأثيرًا مباشرًا فحسب، بل عبر ما تولده لدى المعلم من إحساس داخلي بالمسؤولية ومن استراتيجيات لإدارة انفعالاته في مواقف العمل
وطُبقت الدراسة بمسح شمل 814 معلمًا من عشر مقاطعات في الصين، بلغ متوسط سنوات خبرتهم في التدريس 13.42 سنة بانحراف معياري قدره 10.97، وقِيست متغيرات المساءلة الخارجية والمساءلة الداخلية والعمل الوجداني بصوره المتمثلة في التمثيل العميق والتمثيل السطحي والتعبير عن المشاعر الطبيعية، إضافة إلى الاحتراق المهني، ثم اختُبرت مسارات الوساطة المفردة والمتسلسلة في النموذج المقترح
ثانيًا: أبرز النتائج
١) أظهرت النتائج أن المساءلة الخارجية والمساءلة الداخلية ترتبطان كلتاهما ارتباطًا سالبًا بالاحتراق المهني لدى المعلمين، فكلما ارتفع إحساس المعلم بالمساءلة بنوعيها انخفض مستوى احتراقه، على خلاف الانطباع الشائع بأن المساءلة عبء محض
٢) تبين أن المساءلة الداخلية والتمثيل العميق والتعبير عن المشاعر الطبيعية تتوسط العلاقة بين المساءلة الخارجية والاحتراق المهني، بما يوضح القنوات النفسية التي تنتقل عبرها آثار المساءلة الخارجية إلى حالة المعلم الانفعالية والمهنية
٣) أدت المساءلة الداخلية والتمثيل السطحي معًا دورًا وسيطًا متسلسلًا بين المساءلة الخارجية والاحتراق المهني، إذ تنتقل آثار المساءلة الخارجية أولًا إلى المساءلة الداخلية ثم إلى كيفية إظهار المعلم انفعالاته في المواقف المهنية
٤) أدت المساءلة الداخلية والتعبير عن المشاعر الطبيعية معًا دورًا وسيطًا متسلسلًا آخر بين المساءلة الخارجية والاحتراق المهني، بما يؤكد أن أصالة التعبير الانفعالي لدى المعلم قناة مهمة في تفسير علاقته بالمساءلة وباحتراقه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتفيد هذه النتائج إدارات التعليم وصانعي السياسات في أن تصميم أنظمة المساءلة ينبغي ألا يقتصر على الرقابة الخارجية، بل يمتد إلى تنمية المساءلة الداخلية لدى المعلمين ودعم قدرتهم على التعبير الأصيل عن انفعالاتهم والتمثيل العميق لها، لأن هذه العوامل الداخلية هي التي تحدد في النهاية ما إذا كانت المساءلة مصدر إرهاق أم مصدر حماية من الاحتراق
كما تدعو النتائج إلى برامج تطوير مهني تساعد المعلمين على إدارة العمل الوجداني بوعي، وإلى ثقافة مدرسية تنظر إلى المساءلة بوصفها مسؤولية مهنية مشتركة لا أداة ضغط، مع متابعة مستويات الاحتراق لدى المعلمين وتقويمها دوريًا للتدخل المبكر عند الحاجة
وتفتح النتائج أيضًا بابًا لدراسات لاحقة تختبر النموذج في أنظمة تعليمية أخرى ذات ثقافات مساءلة مختلفة، وتبحث في الفروق بين المراحل الدراسية وسنوات الخبرة، وفي أثر دعم القيادة المدرسية للمعلمين في تخفيف أعباء العمل الوجداني، لأن فهم شروط تعميم النموذج لا يقل أهمية عن إثبات مساراته الوسيطة في السياق الذي اختُبر فيه أول مرة
ويمتد أثر هذا الفهم إلى جودة الحياة المهنية للمعلمين واستقرارهم النفسي، إذ ينعكس انخفاض الاحتراق المهني في حضور المعلم الذهني داخل صفه وفي جودة علاقاته بطلابه وزملائه وفي رغبته في الاستمرار في المهنة وتطوير أدائه فيها
وخلاصة القول إن الدراسة كشفت أن المساءلة الخارجية لا تفاقم الاحتراق المهني لدى المعلمين بالضرورة، بل ترتبط بانخفاضه عبر قنوات وسيطة تقودها المساءلة الداخلية وأنماط العمل الوجداني، وهو ما يعيد صياغة فهمنا لعلاقة المساءلة برفاه المعلمين النفسي والمهني
