تحظى جودة الحوكمة باهتمام متزايد في الدراسات الاقتصادية بوصفها انعكاسًا لجودة المؤسسات وقدرتها على تشكيل السلوك الاقتصادي للأفراد والدول، ويمتد أثرها إلى أنماط الاستهلاك والسفر، ومنها الإنفاق على السياحة الخارجية الذي يمثل بندًا مهمًا في موازنات الأسر وموازين مدفوعات الدول، غير أن العلاقة بين جودة الحوكمة وهذا الإنفاق لم تنل ما تستحقه من الفحص التجريبي عبر الدول وعبر الزمن
وفي هذا السياق فحصت دراسة أولاه وزملائه العلاقة بين جودة الحوكمة والإنفاق على السياحة الخارجية مستندة إلى بيانات طولية سنوية واسعة، مع التمييز بين الدول منخفضة الحوكمة ومرتفعة الحوكمة، وبين الصدمات الإيجابية والسلبية في جودة الحوكمة، بما يقدم صورة أدق لكيفية تأثير الجودة المؤسسية في سلوك الاستهلاك السياحي للأفراد
وينطلق الاهتمام بهذه العلاقة من أن إنفاق الأسر على السفر الدولي قرار تقديري يتأثر بالبيئة المؤسسية والاقتصادية المحيطة، فحين تتحسن الحوكمة وتتعزز جودة الخدمات العامة وفرص الاستثمار والعمل داخل البلد قد تتغير أنماط إنفاق المقيمين وتوجهاتهم، كما أن الحكومات ترصد حركة الإنفاق السياحي الخارجي لما لها من أثر في ميزان المدفوعات والعملة المحلية، ما يجعل فهم محدداتها المؤسسية ذا قيمة علمية وسياساتية معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة بيانات طولية سنوية لما مجموعه أربعة وخمسون بلدًا خلال الفترة الممتدة من عام 1996 إلى عام 2023، وحللتها بنماذج الانحدار الذاتي للإبطاء الموزع للبيانات اللوحية بصيغتيها المتماثلة وغير المتماثلة، بما يتيح تقدير العلاقات في الأجل الطويل والتمييز بين آثار التحسن والتراجع في جودة الحوكمة على الإنفاق السياحي الخارجي
كما قسمت الدراسة العينة إلى دول منخفضة الحوكمة ودول مرتفعة الحوكمة لفحص ما إذا كانت العلاقة تختلف باختلاف المستوى المؤسسي، واعتمدت في الصيغة غير المتماثلة تفكيك صدمات الحوكمة إلى صدمات إيجابية وأخرى سلبية لتقويم آثار كل منها على حدة في الإنفاق على السياحة الخارجية عبر الزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود علاقة مهمة بين جودة الحوكمة والإنفاق على السياحة الخارجية تتفاوت بحسب المستوى المؤسسي واتجاه الصدمة، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
1- أكدت النتائج وجود علاقة طويلة الأجل بين جودة الحوكمة والإنفاق على السياحة الخارجية عبر عينة الدراسة الممتدة لأربعة وخمسين بلدًا
2- أشار نموذج الانحدار الذاتي للإبطاء الموزع المتماثل إلى أثر طويل الأجل سالب ودال إحصائيًا لجودة الحوكمة في الإنفاق على السياحة الخارجية، بمعنى أن تحسن جودة الحوكمة يخفض إنفاق المقيمين على السفر الدولي
3- عند تقسيم العينة ظل هذا الأثر دالًا فقط في الدول منخفضة الحوكمة، بما يشير إلى حساسية أعلى للإنفاق السياحي الخارجي تجاه التحسن المؤسسي في هذه الدول مقارنة بغيرها
4- في النموذج غير المتماثل خفضت الصدمات الإيجابية في جودة الحوكمة الإنفاق على السياحة الخارجية خفضًا دالًا، بما يتسق مع نتيجة النموذج المتماثل ويعزز متانتها
5- أما الصدمات السلبية في جودة الحوكمة فلم ترفع الإنفاق على السياحة الخارجية إلا في الدول مرتفعة الحوكمة، بما يكشف عن عدم تماثل في الاستجابة بحسب اتجاه الصدمة والمستوى المؤسسي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالات هذه النتائج الدور المهم للجودة المؤسسية في تشكيل سلوك الاستهلاك السياحي، وتقدم رؤى سياساتية لإدارة النفقات المتجهة إلى السياحة الخارجية، إذ يمكن لتحسينات الحوكمة أن تعيد توجيه إنفاق المقيمين نحو الداخل أو نحو أولويات أخرى، كما تنبه صانعي السياسات إلى أن آثار تراجع الحوكمة تختلف عن آثار تحسنها، وأن سياق البلد المؤسسي يحدد قوة العلاقة واتجاهها، بما يستدعي تصميم سياسات سياحية واقتصادية مراعية لهذه الفروق بين الدول
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا واسعًا على أن جودة الحوكمة عامل مؤثر في الإنفاق على السياحة الخارجية على المدى الطويل، وأن أثرها سالب في مجمله وغير متماثل بين الصدمات والدول، بما يثري فهم العلاقة بين المؤسسات وسلوك السفر الدولي ويوجه البحوث والسياسات المقبلة في هذا المجال
