يحظى الفحم الحيوي باهتمام متزايد بوصفه مادة مازة واعدة لمعالجة الغازات الملوثة المنبعثة من الأنشطة الصناعية، ومن أبرزها ثاني أكسيد الكبريت وأحادي أكسيد النيتروجين اللذان يسهمان في تلوث الهواء وتكون الأمطار الحمضية ومشكلات صحية وبيئية واسعة، غير أن كفاءة الفحم الحيوي في امتزاز هذه الغازات ليست ثابتة، بل تتوقف على ظروف إنتاجه من تحلل حراري وتنشيط، وهو ما يفتح الباب أمام تحسين أدائه بضبط هذه الظروف، ويثير في الوقت ذاته سؤالًا عن الكلفة البيئية لهذا التحسين ذاته
وتتناول هذه الدراسة أثر ظروف التحلل الحراري والتنشيط في أداء الفحم الحيوي في الإزالة المتزامنة لثاني أكسيد الكبريت وأحادي أكسيد النيتروجين، وذلك بمقاربة مزدوجة تجمع بين قياس الأداء الوظيفي للمادة وتقويم آثارها البيئية عبر منهجية تقييم دورة الحياة، بما يقدم صورة متوازنة لا تكتفي بما تحققه المادة من كفاءة، بل تحتسب أيضًا ما يترتب على إنتاجها من استهلاك للطاقة وانبعاثات، وتأتي أهمية هذه المقاربة من أن كثيرًا من الدراسات السابقة اكتفت بقياس كفاءة المواد المازة مخبريًا دون مساءلة آثار إنتاجها بيئيًا، بما قد يخفي كلفًا تنقل العبء من موضع إلى آخر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث أداء الامتزاز لدى الفحم الحيوي المصنع في ظروف متباينة من التحلل الحراري والتنشيط بثاني أكسيد الكربون، في الإزالة المتزامنة لأحادي أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، مع تقويم آثاره البيئية بتقييم دورة الحياة، وقد أُنتج الفحم الحيوي من خشب سرو الهينوكي بعملية ثنائية المراحل تبدأ بالتحلل الحراري ثم التنشيط بثاني أكسيد الكربون، وقوّمت خصائصه الفيزيائية والكيميائية عبر تحليل البنية المسامية، وأُجريت تجارب الامتزاز في ظروف الغاز المنفرد والغاز المدمج معًا لرصد السلوكيات التآزرية أو التنافسية بين الغازين، أما الجانب البيئي فقد عولج بمنهج تقييم دورة الحياة مستخدمًا مؤشرات إمكانية الاحترار العالمي لمئة عام الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لعام 2021، لقياس الآثار البيئية لإنتاج الفحم الحيوي في ظروف حرارية مختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن ضبط ظروف الإنتاج يحدث فارقًا جوهريًا في أداء الفحم الحيوي وكلفته البيئية، ومن أهم ما توصلت إليه الدراسة ما يأتي
1- أثرت ظروف التنشيط تأثيرًا ملحوظًا في المساحة السطحية للفحم الحيوي وحجم مسامه، وهو ما انعكس في تعزيز قدراته على امتزاز الغازات الملوثة
2- لوحظت مفاضلة واضحة بين إنتاجية الفحم الحيوي وكفاءة إزالة الملوثات، بما يشير إلى وجود درجة حرارة تنشيط مثلى توازن بين هذين الاعتبارين المتعارضين
3- رفعت درجات حرارة التنشيط الأعلى كفاءة الامتزاز، لكنها أدت في الوقت ذاته إلى زيادة استهلاك الطاقة وما يرتبط به من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري
4- أتاحت المقارنة بين ظروف الغازين المنفرد والمدمج رصد كيفية تفاعل امتزاز أحادي أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، بين التآزر والتنافس على المواقع النشطة في المادة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج ضرورة تحسين معاملات التنشيط لا من زاوية الأداء الوظيفي وحده، بل من زاوية الاستدامة البيئية أيضًا، فالمادة المعالجة للتلوث لا ينبغي أن يتحول إنتاجها هي ذاتها إلى عبء بيئي يفوق منفعتها، وتقدم الدراسة بذلك رؤى عملية لتصميم أنظمة معالجة غازات قائمة على الفحم الحيوي تتسم بالكفاءة، وتدعم إمكانات توظيفه بدائل صديقة للبيئة في استراتيجيات ضبط الانبعاثات الصناعية، كما يفيد إطارها المزدوج الباحثين والمهندسين البيئيين في تقويم المواد المازة الجديدة تقويمًا شاملًا يجمع بين الكفاءة والبصمة البيئية قبل اعتمادها صناعيًا، وتنسجم هذه الرؤية مع توجه عام في الهندسة البيئية يقضي بألا تُقيم تقنيات معالجة التلوث بمعزل عن دورة حياتها الكاملة، من المواد الخام إلى الاستخدام والتخلص النهائي
وخلاصة القول إن الفحم الحيوي مادة واعدة لإزالة ثاني أكسيد الكبريت وأحادي أكسيد النيتروجين من الانبعاثات، غير أن الاستفادة المثلى منه مشروطة بضبط دقيق لظروف التحلل الحراري والتنشيط يوازن بين أعلى كفاءة امتزاز ممكنة وأدنى كلفة بيئية، وهو التوازن الذي ترسم هذه الدراسة ملامحه بالأدلة التجريبية وتقييم دورة الحياة معًا
