يمثل العنف من الشريك الحميم ضد النساء والفتيات مشكلة حقوقية عالمية تتجاوز آثارها الصحية والنفسية إلى أبعاد اقتصادية خفية تتحملها أماكن العمل دون أن تُرصد غالبًا، فبينما حاولت الأدبيات فهم آثار هذا العنف في أماكن العمل بالدول مرتفعة الدخل، تظل الأدبيات المتعلقة بالدول منخفضة ومتوسطة الدخل شديدة الندرة، وتأتي هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة ببيانات مسحية أولية واسعة النطاق تكشف الكلف غير المرئية التي تتكبدها المنشآت جراء تعرض الموظفات لهذا العنف، وتتوسع لتشمل آثاره في مرتكبيه أنفسهم لا في الناجيات وحدهن
وتنطلق خطورة هذه المشكلة من كونها انتهاكًا لحقوق الإنسان يطال النساء والفتيات في مختلف المجتمعات، غير أن فهم آثاره الممتدة ظل ناقصًا، إذ ركز معظم البحث المتاح على الدول مرتفعة الدخل، بينما تبقى أدلته في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل شحيحة على الرغم من عبء الظاهرة فيها، ومن ثم فإن أي تقدير لكلفة العنف يقتصر على الأضرار المباشرة يهمل أثرًا اقتصاديًا واسعًا يتسلل إلى سوق العمل والإنتاج، وهو ما سعت الدراسة إلى كشفه بمنهج كمي واسع لم يسبق له نظير في حجمه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير الأثر الاقتصادي للعنف من الشريك الحميم في إنتاجية العمل، مستندة إلى بيانات مسح أولية جُمعت من ستة عشر ألفًا وتسعمائة وواحد وعشرين عاملًا في مئتين وسبع وخمسين منشأة أعمال في غانا وجنوب السودان وبوليفيا وباراغواي، لتكون بذلك أكبر دراسة من نوعها، وقيس الأثر في الإنتاجية عبر ثلاثة مؤشرات هي التأخر عن العمل والغياب والحضور الشكلي الذي يحضر فيه العامل جسديًا مع انخفاض أدائه، ولم تقتصر الدراسة على تقدير آثار تعرض الموظفات للعنف، بل قدّرت كذلك آثار ارتكاب العاملين له، متجاوزة التصور الشائع بأن العنف لا يؤثر إلا في الناجيات منه
واعتمدت الدراسة على بيانات أولية جمعتها بنفسها لا على سجلات جاهزة، فشمل المسح آلاف العاملين والعاملات في مئات منشآت الأعمال موزعة على أربع دول من قارتين مختلفتين، أفريقيا ممثلة بغانا وجنوب السودان وأمريكا الجنوبية ممثلة ببوليفيا وباراغواي، وأتاح هذا الاتساع مقارنة الأثر عبر سياقات اقتصادية وثقافية متباينة، وقيست خسائر الإنتاجية بمؤشرات عملية قابلة للرصد في بيئة العمل هي التأخر والغياب والحضور الشكلي، وهي مؤشرات تحول الأثر الاجتماعي للعنف إلى لغة اقتصادية يفهمها أصحاب القرار في المنشآت والحكومات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن العنف من الشريك الحميم موجود في جميع المنشآت التي شملها المسح دون استثناء، وأنه يفضي إلى خسائر هائلة في الإنتاجية تتولد من مسارين متوازيين، هما تعرض الموظفات للعنف وارتكاب العاملين له، إذ يتسبب التأخر والغياب والحضور الشكلي في استنزاف ساعات عمل وقدرات إنتاجية على نطاق واسع، وتكشف هذه النتيجة أن كلفة العنف على قطاع الأعمال ليست هامشية ولا استثنائية، بل بنيوية تتكرر عبر الدول والقطاعات المشمولة بالدراسة على اختلاف سياقاتها الاقتصادية والثقافية، كما تبين أن هذه الخسائر تظل في معظمها غير مرئية في حسابات المنشآت لأنها لا تسجل بوصفها كلفة مرتبطة بالعنف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجلى دلالات الدراسة في أنها تعيد تعريف العنف من الشريك الحميم بوصفه قضية تخص أماكن العمل وقطاع الأعمال لا شأنًا خاصًا محصورًا في الأسرة، إذ تمنح أصحاب الأعمال مبررًا اقتصاديًا واضحًا للاستثمار في الوقاية والدعم، وتدعو إلى سياسات مؤسسية تشمل التوعية وآليات الإبلاغ الآمن ومساندة الموظفات المتعرضات للعنف، كما توجه الباحثين وصناع السياسات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل إلى احتساب الكلف الاقتصادية الخفية عند تقويم برامج مواجهة العنف وتخصيص الموارد لها، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تقدر هذه الكلف تقديرًا نقديًا دقيقًا
وتفتح هذه النتائج بابًا لتدخلات مؤسسية عملية، منها برامج توعية للعاملين والإدارة، وسياسات واضحة لمناهضة العنف وربطها بأنظمة الموارد البشرية، وقنوات آمنة للإبلاغ والدعم، وشراكات مع منظمات المجتمع المدني المتخصصة، كما تفيد الحكومات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل عند حساب العائد الاقتصادي لبرامج الوقاية من العنف، إذ قد تفوق وفورات الإنتاجية المحققة كلفة هذه البرامج، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات طولية تتعقب الأثر عبر الزمن وتقدر الكلف النقدية بدقة أكبر في سياقات إضافية
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت بأدلة مسحية واسعة أن العنف من الشريك الحميم يستنزف إنتاجية منشآت الأعمال في الدول الأربع المشمولة بالمسح عبر تعرض الموظفات له وارتكاب العاملين إياه معًا، وأن تجاهل هذه الكلف الخفية يضعف أي استجابة جادة للظاهرة، فصارت مواجهتها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع وقطاع الأعمال
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
