تواصل فعاليات سياحة الجري على الطرق نموها حول العالم، وتوظفها الوجهات السياحية على نحو متزايد أداة للتنويع وتقليص الموسمية، غير أن الأطر الدافعية التقليدية التي تفسر مشاركة العدائين ركزت تاريخيًا على المتعة والمنافسة والتحدي والتواصل الاجتماعي، وأغفلت محركات ناشئة باتت تصوغ قرار المشاركة في البيئة الرقمية المعاصرة، وفي مقدمتها الشمولية والتفاعل الرقمي، ما يستدعي إعادة فحص البنية الدافعية على ضوء هذه المتغيرات الجديدة وسلوكيات المشاركين السياحية
وتتخذ الدراسة من نصف ماراثون ماغالوف في مايوركا بإسبانيا حالة تطبيقية، وهو منتجع متوسطي عريق يمر بعملية إعادة تموضع سياحي، إذ تتيح هذه الحالة ربط البنية الدافعية للمشاركين بخصائصهم الاجتماعية والديموغرافية وسلوكياتهم الرياضية والسياحية، بما يخدم فهمًا أعمق لكيفية تحويل الفعاليات الرياضية إلى رافد للإقامات الليلية ودعم استراتيجيات إعادة تموضع الوجهات
وتكتسب دراسة الدافعية في هذا النوع من الفعاليات بعدًا إضافيًا من كون العدائين سياحًا في الوقت ذاته، إذ تمتد تجربتهم إلى الإقامة والإنفاق والتفاعل مع الوجهة، فتغدو معرفة دوافعهم مدخلًا لفهم سلوكهم السياحي الأوسع، وهو ما يمنح النماذج الدافعية الموسعة قيمة تحليلية تتجاوز حدود الفعالية الرياضية ذاتها إلى تخطيط المنتج السياحي للوجهة المضيفة، وتوثيق الأساس الذي تبنى عليه التوصيات العملية للمنظمين والمديرين، وإثراء فهم العلاقة بين الدافعية والسلوك السياحي عمومًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص البنية الدافعية للمشاركين في نصف ماراثون ماغالوف لعام 2025، وتحليل ارتباط فئات الدافعية بالسلوكيات الاجتماعية والديموغرافية والرياضية والسياحية، وجمعت البيانات عبر استبانة إلكترونية ذاتية التطبيق بلغ عدد المستجيبين لها 306 مشاركين، وأجري تحليل عاملي استكشافي أتبع بتحليل عاملي توكيدي للتحقق من البنية العاملية للدافعية، ثم طبق تحليل عنقودي بطريقة المتوسطات على الدرجات العاملية لاستخراج فئات العدائين، وربطت كل فئة بمؤشرات مثل تاريخ استخدام التجربة والمنشأ والنوع والانتماء إلى أندية الجري
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أثبت التحليل العاملي بنية دافعية من خمسة عوامل هي المتعة المرتبطة بالرياضة والتواصل الاجتماعي والتحدي الشخصي والشمولية والتفاعل الرقمي، ما يوسع النماذج التقليدية بعاملين ناشئين لهما حضور فعلي في قرارات المشاركين
2- استخرج التحليل العنقودي خمس فئات متميزة من العدائين هي المتحمسون الرقميون، والمستمتعون الشاملون، والاجتماعيون، ومنجزو المتعة، وأنصار الشمولية، ولكل فئة ملامح مختلفة في تاريخ استخدام التجربة والمنشأ والنوع وعضوية أندية الجري
3- سجلت فئة الاجتماعيين أطول فترات الإقامة بين الفئات جميعًا، ما يجعلها ذات قيمة خاصة للوجهة من حيث الإنفاق والإقامات الليلية المرتبطة بالفعالية
4- برز المستمتعون الشاملون بتمثيل زائد بين الزوار القادمين للمرة الأولى، في حين ضمت فئتا المتحمسين الرقميين ومنجزي المتعة نسبة أعلى من العدائين الدوليين مقارنة بغيرهما
5- أكدت النتائج أن الشمولية والتفاعل الرقمي محركان ناشئان يستحقان الإدماج في نماذج دافعية السياحة الرياضية، وأنهما يسهمان في تفسير اختلاف أنماط الإقامة والسلوك بين المشاركين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج توصيات عملية لمنظمي الفعاليات ومديري الوجهات، إذ يمكن البناء على ملامح كل فئة لتصميم عروض ورسائل موجهة تطيل الإقامة وتدعم إعادة تموضع الوجهة، كاستهداف الاجتماعيين ببرامج جماعية ممتدة، واستقطاب الزوار الجدد عبر تجارب شاملة مرحبة، وتوظيف القنوات الرقمية للوصول إلى العدائين الدوليين، كما تمد الباحثين بنموذج موسع قابل للاختبار في فعاليات جري أخرى وسياقات سياحية مغايرة
وتنسحب دلالات الدراسة على وجهات متوسطية أخرى تعيد تموضعها السياحي اعتمادًا على الفعاليات الرياضية، إذ يمكنها توظيف فهم فئات العدائين في تصميم منتجات سياحية مصاحبة للسباقات، من جولات ثقافية وبرامج عائلية وأنشطة رقمية تفاعلية، بما يطيل مدة الإقامة ويرفع إنفاق الزائر ويعزز صورة الوجهة مقصدًا رياضيًا شاملًا على مدار العام
وخلاصة القول إن هذه الدراسة توسع أطر دافعية السياحة الرياضية بإثبات الشمولية والتفاعل الرقمي محركين أصيلين للمشاركة، وتربط تجزئة العدائين بسلوكياتهم السياحية، بما يعين الوجهات على تحويل فعاليات الجري إلى أداة تنموية مستدامة
