يحسّن الفرز المسبق للمرضى كفاءة الرعاية الصحية في أقسام الطوارئ وطب الأطفال، إذ يوجه المرضى إلى الخدمة المناسبة في الوقت المناسب ويختصر الانتظار ويخفف الازدحام، غير أن تطبيق هذا النظام في رعاية الأسنان ما يزال دون قيمته المستحقة رغم ما تعانيه عيادات الأسنان من كثافة مراجعين وتداخل حالات متفاوتة الإلحاح، وتأتي هذه الدراسة الحديثة لتطبق الفرز المسبق في خدمات طب الأسنان وتحدد عوامل عدم رضا الأطباء والمرضى عنه، إدراكًا بأن رضا طرفي الخدمة شرط لتحسين أنظمة الفرز وترقية مخرجات صحة الفم والأسنان، فأي نظام فرز لا يقبله الأطباء المطبقون له ولا يثق به المرضى الخاضعون له يظل عاجزًا عن تحقيق أهدافه التنظيمية مهما بدا متماسكًا على الورق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تحديد نطاق عدم رضا الأطباء والمرضى عن الفرز المسبق في العيادات الخارجية بمستشفيات طب الأسنان العامة والعوامل المؤدية إليه، وصولًا إلى استراتيجيات لتحسين أنظمة الفرز، واعتمدت تصميم المسح المقطعي خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر من عام 2024، واستقطبت بأسلوب العينة الملائمة مائة وثلاثة عشر طبيبًا ومائتين وستة مرضى بوصفهم مجتمع الدراسة، وقيس مستوى عدم الرضا لدى الطرفين باستبانات متحقق من صدقها وثباتها، وحُللت البيانات باختبارات تاء وتحليل التباين ونماذج الانحدار للكشف عن الفروق والعوامل المفسرة لعدم الرضا لدى الأطباء والمرضى كل على حدة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- خبرة الأطباء بالفرز وعدم رضاهم: بلغت نسبة الأطباء ذوي الخبرة السابقة بالفرز المسبق 37.17 في المئة، وأظهر هؤلاء درجات عدم رضا أعلى بدلالة إحصائية، إذ سجلوا 37.67 بانحراف معياري 9.08 مقابل 32.51 بانحراف معياري 10.08 لدى الأقل خبرة، وبلغ مستوى الدلالة 0.006، وكشف التحليل متعدد المتغيرات أن الأطباء الأكثر خبرة قيّموا خدمات الفرز بأعلى من نظرائهم بمقدار 5.63 نقطة عبر فاصل ثقة 95 في المئة امتد من 0.75 إلى 10.51
2- مصادر عدم رضا المرضى: عبر المرضى المراجعون لعيادات الأسنان عن عدم رضاهم المرتبط باتجاهات الممرضات القائمات على الفرز وسلوكهن أثناء التعامل، بمعامل قدره 1.04 وفاصل ثقة 95 في المئة من 0.07 إلى 2.01، إضافة إلى أوجه عدم الكفاءة في إجراءات عملية الفرز نفسها وما يرافقها من انتظار وغموض في التوجيه
3- محركات عدم الرضا الجامعة: خلص التحليل إلى أن أبرز محركات عدم الرضا تتمثل في قلة تعرض الأطباء لنظام الفرز المسبق وإلمامهم به من جهة، وفي جودة تفاعل الممرضات مع المرضى في بيئة طب الأسنان من جهة أخرى، فاجتمع عامل المعرفة بالنظام وعامل جودة التواصل الإنساني في تفسير مواقف الطرفين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو هذه النتائج إلى تطوير نظام فرز متخصص يلائم خصوصية رعاية الأسنان ويرفع كفاءة سير العمل السريري وفاعلية الخدمة، عبر تدريب الأطباء على الفرز المسبق وإشراكهم في تصميمه حتى لا يتحول إلى عبء إجرائي مرفوض، وتحسين مهارات التواصل لدى ممرضات الفرز بوصفهن الواجهة الأولى للمرضى، وتبسيط خطوات الفرز وتوضيحها للمراجعين، فبمثل هذه الإجراءات المتكاملة يمكن تحويل الفرز من نقطة احتكاك يومية إلى أداة تنظيمية تدعم رضا الأطباء والمرضى معًا وترتقي بمخرجات صحة الأسنان
ويستدعي تفسير عدم رضا الأطباء الأكثر خبرة بالفرز وقفة متأنية، فمن ألف العمل بنظام معين يقارن النظام الجديد بمعايير مهنية تراكمت عبر سنوات ممارسته، فيلاحظ ثغراته بدقة أشد من زميله الأقل خبرة الذي قد يقبله كما هو، ومن ثم فإن إشراك هؤلاء الأطباء أنفسهم في إعادة تصميم إجراءات الفرز وتجريبها يحوّل نقدهم المحتمل إلى مورد تحسيني، كما أن قياس رضا الطرفين دوريًا بعد كل تعديل يمنح الإدارة تغذية راجعة متصلة تمنع تحول الملاحظات الصغيرة إلى رفض متراكم، وتجعل التحسين عملية مستمرة لا حدثًا عابرًا
وخلاصة القول إن عدم رضا الأطباء والمرضى عن الفرز المسبق في مستشفيات طب الأسنان العامة ليس رفضًا لفكرة الفرز ذاتها، بل انعكاس لخبرة غير مكتملة لدى الأطباء وتفاعل أولي غير مرض مع المرضى وإجراءات تحتاج إلى تيسير، ومعالجة هذه العوامل عبر نظام فرز متخصص وتدريب موجه وتواصل إنساني أفضل كفيلة بجعل الفرز رافعة حقيقية لكفاءة خدمات الأسنان وجودتها
