تنتشر الإدارة الخوارزمية باطراد في بيئات العمل المعاصرة، إذ تتولى أنظمة برمجية متقدمة مهام كانت منوطة تقليديًا بالمديرين البشريين، من توزيع المهام وتقويم الأداء إلى اتخاذ قرارات تمس دخل العامل واستقراره، ويطرح هذا التحول أسئلة جوهرية عن حرية الأفراد الخاضعين لهذه الإدارة، فالحرية لا تنحصر في غياب الإكراه المباشر، بل تشمل قدرة الإنسان على أن يكون ذاتًا مختارة توجه حياتها نحو أهدافها الشخصية، وأن يبني اختياراته على توقع معقول لعواقبها، وهو ما تستكشفه هذه الدراسة تحليليًا في ظل الإدارة بالخوارزميات وما تفرزه من أنماط جديدة للسلطة في مكان العمل
وتكتسب هذه الأسئلة إلحاحًا خاصًا مع اتساع اقتصاد المنصات والأعمال المؤقتة، إذ يعمل ملايين الأفراد تحت إدارة أنظمة لا يرون وجوهًا بشرية خلف قراراتها، ولا يجدون مخاطبًا يشرح لهم منطقها أو يستمع إلى اعتراضهم، فتتحول العلاقة الإدارية من تفاعل اجتماعي غني بالإشارات والتفاوض إلى تعامل صامت مع برمجيات غامضة، وترصد الدراسة ما يترتب على هذا التحول من تآكل لقدرة العامل على التخطيط واتخاذ قرارات مستنيرة تخدم أهدافه الشخصية وتحقق ذاته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى فحص أثر الإدارة الخوارزمية في حرية الفرد، مستندة إلى تصور للحرية قوامه الذات الحرة المختارة، وتنطلق من مقترح محوري مفاده أن الإدارة الخوارزمية تشكل تهديدًا خطيرًا لجزء لا غنى عنه من الذات الحرة المختارة، إذ تهدر قدرة المرؤوسين على توقع عواقب اختياراتهم توقعًا معقولًا، ومن ثم على تحقيق شخصياتهم تحقيقًا كاملًا، وقد أطلقت الدراسة على هذه الظاهرة اسم مشكلة تعريض البصيرة للخطر، وبينت أن لها وجهًا تقنيًا ووجهًا اجتماعيًا يفسر كل منهما جانبًا من كيفية تقويض الاختيار الحر، معتمدة في ذلك على التحليل النظري وعلى ما رصدته الأدبيات من تجارب العاملين الخاضعين لهذه الإدارة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- يتمثل الوجه التقني للمشكلة في عدم القابلية المتأصلة للتنبؤ بالخوارزميات المتقدمة، بما فيها الخوارزميات التي تؤدي وظائف إدارية، إذ تزداد مخرجاتها غموضًا وبعدًا عن التوقع كلما أصبحت أكثر صلابة ونفعًا، وهي المفارقة المعروفة بمفارقة الصلابة والقابلية للتنبؤ، 2- يتجلى هذا الوجه في التجارب المبلغ عنها لعمال اقتصاد المنصات المؤقتة، الذين يصفون تعرضهم لقرارات إدارية غير متوقعة لا يستطيعون استباقها ولا يسهل عليهم الاعتراض عليها، فيقوض خضوعهم لهذه العشوائية الإدارية قدرتهم على اتخاذ اختيارات مستنيرة تخدم أهدافهم الشخصية، 3- يتمثل الوجه الاجتماعي في عواقب فك ارتباط السلطة الإدارية بالعلاقات الاجتماعية بين البشر، وانتقالها إلى علاقات منقطعة عن النسيج الاجتماعي تجري بين البشر والبرمجيات، 4- يتمتع مرؤوسو المديرين البشريين بأدوات كثيرة للتنبؤ بتفكير مديريهم تنشأ من عمليات التفاعل الاجتماعي الدقيقة والمعقدة، غير أن عملية فك الارتباط هذه تحرم المرؤوسين من استخدام تلك الأدوات، وتقوض في العمق قدرتهم على تعزيز غاياتهم عبر الاختيار الحر
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دلالات مهمة لصانعي السياسات ومصممي أنظمة الإدارة الخوارزمية والمنظمات التي توظفها، إذ تنبه إلى أن تقويم هذه الأنظمة لا ينبغي أن يقتصر على كفاءتها ودقتها، بل يجب أن يشمل أثرها في حرية العاملين وقدرتهم على التخطيط لحياتهم، وتدعو النتائج ضمنيًا إلى تصميم أنظمة أكثر قابلية للتنبؤ والتفسير، وإلى إتاحة سبل فعالة للاعتراض على قراراتها، وإبقاء مساحة للعلاقة الإنسانية في ممارسة السلطة الإدارية، بما يحفظ للفرد مكانته ذاتًا مختارة لا مجرد موضوع لقرارات برمجية غامضة يصعب التنبؤ بها أو مساءلتها
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت تحليلًا نظريًا يبين أن خطر الإدارة الخوارزمية على الحرية لا يكمن في قراراتها فحسب، بل في تقويضها قدرة الإنسان على توقع عواقب اختياراته، عبر وجه تقني قوامه غموض الخوارزميات المتصاعد، ووجه اجتماعي قوامه فك ارتباط الإدارة بالعلاقات الإنسانية، وهو تحليل يدعو إلى إعادة التفكير في تصميم هذه الأنظمة وحوكمتها بما يصون حرية الاختيار بوصفها قيمة إنسانية أصيلة
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/frai.2025.1582085/full
DOI: 10.3389/frai.2025.1582085
