تفرض التطورات المتسارعة في المجتمعات المعاصرة على الأفراد التعلم مدى الحياة، وتتطلب باطراد تدريبهم على كفايات عامة صالحة للتوظيف في سياقات متعددة ومراحل مختلفة من الحياة، ولا يقاس نجاح هذا التدريب بما يكتسبه المتدرب من معارف ومهارات أثناء البرنامج فحسب، بل بمدى انتقال هذا التعلم الجديد وتطبيقه في مواقف الحياة الفعلية، ويعد هذا الانتقال عملية طولية تتأثر بجملة من العوامل المستندة إلى النظرية والأدلة البحثية، وهو ما يجعل فهم محدداته شرطًا لتحسين جدوى البرامج التدريبية التي تستثمر فيها المؤسسات التعليمية والمهنية موارد كبيرة
وفي هذا الإطار تناولت الدراسة طلاب التعليم عن بعد غير التقليديين، وهم في هذه الدراسة مهنيون تربويون بالغون ملتحقون بمقرر في محو الأمية المعلوماتية عبر الإنترنت في الجامعة المفتوحة، إذ يشكل انتقال كفايات محو الأمية المعلوماتية العامة إلى سياقي الدراسة والعمل تحديًا حقيقيًا لهذه الفئة، نظرًا لتعدد أدوارها وسياقات ممارستها، ولذلك سعت الدراسة إلى بناء فهم أعمق للعوامل المنبئة بنية الانتقال وسلوكه، عبر مقاربة متعددة السياقات وطولية في آن واحد، تتيح تتبع الظاهرة قبل التدريب وبعده وعبر سياقين مختلفين يمارَس فيهما التعلم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقصي نية الطلاب غير التقليديين انتقال كفايات محو الأمية المعلوماتية العامة المكتسبة حديثًا إلى سياقي دراستهم وعملهم، وذلك قبل التدريب وبعده مباشرة وبعد ثلاثة أشهر منه، واعتمدت الدراسة على ثلاثة مسوح جمعت بين نظرية السلوك المخطط لأيزن ونموذج جرد نظام انتقال التعلم لهولتون وزملائه، وقاست أثر ثلاثة عوامل هي توقعات نواتج الأداء، وانفتاح المنظمة على التغيير، والكفاءة الذاتية للأداء، في نية الانتقال وفي سلوك الانتقال الفعلي، وبلغ عدد المشاركين 82 مهنيًا تربويًا بالغًا، وحللت البيانات بأسلوب نمذجة المعادلات البنيوية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية، بما يناسب اختبار العلاقات بين العوامل والنية والسلوك عبر نقاط القياس الثلاث
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أكدت النتائج قيمة اعتماد المقاربة متعددة السياقات والطولية في دراسة انتقال التعلم داخل هذا السياق تحديدًا، إذ أتاح تتبع النية والسلوك عبر الزمن وعبر سياقين مختلفين صورة أدق لدينامية الانتقال وتغيراته، 2- برزت الكفاءة الذاتية للأداء بوصفها عاملًا منبئًا ذا أهمية خاصة، فقد تنبأت بنية الانتقال قبل التدريب في سياقي الدراسة والعمل معًا، بما يعني أن ثقة الفرد بقدرته على الأداء تتشكل مبكرًا وتوجه قصده منذ البداية، 3- امتد أثر الكفاءة الذاتية ليشمل سلوك الانتقال الفعلي في سياق العمل، بما يشير إلى أن ثقة الفرد بقدرته على الأداء لا تدعم قصده الانتقال فحسب، بل تدعم ممارسته الفعلية له في بيئة عمله، 4- قدمت الدراسة في ضوء نتائجها دلالات تربوية ذات صلة بتصميم التدريب ودعمه، مع الإشارة إلى حدود الدراسة واتجاهات مقترحة للبحوث المستقبلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد نتائج الدراسة مصممي برامج محو الأمية المعلوماتية والتدريب العام في أن بناء كفايات المتدربين ينبغي أن يقترن بتعزيز كفاءتهم الذاتية، لأن إحساس المتدرب بقدرته على الأداء يمثل محركًا لنية انتقال التعلم ولسلوكه، كما تدعو النتائج إلى مراعاة اختلاف سياقي الدراسة والعمل عند التخطيط لدعم الانتقال، وعدم الاكتفاء بقياس أثر التدريب لحظة انتهائه، بل متابعته عبر الزمن للتحقق من استدامة التعلم وتوظيفه، وهو ما يعزز العائد الحقيقي للاستثمار في التدريب والتعلم مدى الحياة، ويوجه المؤسسات إلى تهيئة بيئات عمل منفتحة على التغيير تدعم تطبيق ما تعلمه العاملون
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت أدلة طولية ومتعددة السياقات على أن انتقال كفايات محو الأمية المعلوماتية العامة لدى الطلاب غير التقليديين عملية تتأثر بعوامل فردية وتنظيمية متداخلة، وأن الكفاءة الذاتية للأداء تقف في مقدمة هذه العوامل منبئًا بالنية قبل التدريب وبالسلوك في سياق العمل، بما يوجه انتباه الباحثين والممارسين إلى جعل تنمية ثقة المتدربين بأنفسهم مكونًا مقصودًا في تصميم البرامج التدريبية وتقويم أثرها
