تتسارع في السنوات الأخيرة عملية إلغاء الدولرة في ظل تجزؤ جيوسياسي متنامٍ، فتتغير الديناميات النقدية للاقتصاد العالمي تغيرًا ملموسًا، وتثار أسئلة مهمة حول المرونة الاقتصادية والتنمية المستدامة في العالم الناشئ، إذ تعيد الدول النامية النظر في اعتمادها على العملات الأجنبية المهيمنة في تجارتها واحتياطياتها وتسوياتها المالية، وتتقاطع هذه التحولات النقدية مع اعتبارات الاستقرار الاقتصادي الكلي والتطور المالي والاستدامة البيئية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أدلة تجريبية تفحص كيف ترتبط الظروف المالية المرتبطة بإلغاء الدولرة بقدرة الاقتصادات الصاعدة على الصمود أمام الصدمات، وهو ما تناولته هذه الدراسة في اقتصادات مجموعة بريكس بلس عبر ربع قرن من البيانات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بحثت الدراسة في الظروف الاقتصادية الكلية والمالية المرتبطة بإلغاء الدولرة وعلاقتها بالمرونة الاقتصادية في دول بريكس بلس خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2024، مع مراعاة الجوانب الاقتصادية الكلية والمالية والبيئية، وقِيست المرونة الاقتصادية عمليًا بمعدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي بوصفه مؤشرًا لبعد الأداء الاقتصادي الكلي للمرونة، ونظرًا لغياب مؤشر مباشر متسق لإلغاء الدولرة يغطي جميع اقتصادات المجموعة عبر الفترة المدروسة، فقد قِيست الظاهرة عبر ديناميات سعر الصرف والمؤشرات النقدية والمالية الخارجية ذات الصلة، وشملت سعر الصرف الرسمي وميزان الحساب الجاري وإجمالي الاحتياطيات والانفتاح التجاري، ووُظفت بيانات طولية سنوية وطريقة الانحدار الذاتي الموزع المتباطئ المعزز مقطعيًا لمعالجة الاعتماد المقطعي والتباين بين الدول، مع تحديد التغيرات البنيوية المرتبطة بالصدمات العالمية الكبرى وتحولات العملات، واستفادت المعالجة التجريبية من طول الفترة المدروسة في تتبع انعكاسات الصدمات العالمية الكبرى في العلاقة المقدرة، بما جعل النتائج معبرة عن اتجاهات طويلة الأمد لا عن تقلبات عابرة قصيرة الأجل، وأتاح تقدير الارتباطات بثبات أكبر عبر مراحل اقتصادية متباينة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت الظروف الاقتصادية الكلية والمالية المرتبطة بإلغاء الدولرة ارتباطات طويلة الأمد متباينة بالمرونة الاقتصادية، إذ اختلف اتجاه هذه الارتباطات وقوتها تبعًا لاستقرار الاقتصاد الكلي ومستوى التطور المالي في كل دولة
2- تؤدي ديناميات سعر الصرف والظروف المالية الخارجية دورًا مهمًا في تشكيل المرونة الاقتصادية الكلية لاقتصادات بريكس بلس، بما يجعل إدارة التعرض الخارجي عنصرًا محوريًا في سياسات الصمود الاقتصادي
3- تبين أن النواتج البيئية عوامل مؤثرة مهمة في المرونة طويلة الأمد، بما يشير إلى أن التغيرات البنيوية المدفوعة بالاستدامة تحسن المرونة خلال عملية التحولات النقدية العالمية
4- أظهرت النتائج أن المرونة في زمن إعادة الاصطفاف العالمي تتجاوز التنويع المالي المجرد، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بأطر الاستدامة التي تعتمدها الاقتصادات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد نتائج الدراسة صانعي السياسات في اقتصادات بريكس بلس بأن مسارات إلغاء الدولرة لا تنتج آثارًا متماثلة في المرونة، بل تتوسطها قوة الأسس الاقتصادية الكلية ونضج الأنظمة المالية، بما يستدعي مواءمة خطوات التحول النقدي مع إصلاحات الاستقرار والتطوير المالي، كما تؤكد النتائج أن الاستثمار في التحولات البنيوية المستدامة بيئيًا ليس عبئًا على الصمود بل مكون من مكوناته، وهو ما يعيد ترتيب أولويات التخطيط الاقتصادي في الدول الناشئة، وتمنح الدراسة الباحثين إطارًا تجريبيًا قابلًا للتطبيق على تكتلات اقتصادية أخرى تشهد تحولات نقدية مشابهة، مع الانتباه إلى حدود القياس غير المباشر لإلغاء الدولرة عبر مؤشرات سعر الصرف والاحتياطيات والتجارة، وتفيد هذه القراءة أيضًا المؤسسات المالية والبنوك المركزية في الدول الناشئة عند تصميم أطر إدارة الاحتياطيات وتنويع سلات العملات، إذ تبين أن جدوى أي تحول نقدي تقاس بمتانة البيئة الاقتصادية المرافقة له، كما تمنح المستثمرين والمحللين مؤشرات على تباين مخاطر المرونة بين اقتصادات المجموعة ذاتها، فلا يصح التعامل معها كتلة واحدة متجانسة عند تقدير الجدارة والاستقرار، وتظل الحاجة قائمة إلى مؤشرات قياس مباشرة لإلغاء الدولرة متى توفرت بياناتها باتساق عبر الدول والسنوات
وخلاصة القول إن المرونة الاقتصادية في اقتصادات بريكس بلس خلال عصر إلغاء الدولرة تتشكل بتفاعل الاستقرار الاقتصادي الكلي والتطور المالي وأطر الاستدامة، وإن إدارتها إدارة رشيدة تجعل التحولات النقدية العالمية فرصة لتعزيز الصمود لا مصدرًا لهشاشة جديدة
