تشتد المنافسة في صناعة السياحة العالمية يومًا بعد يوم، ما يفرض على الوجهات الصاعدة رفع درجة بروزها وزيادة انخراط السياح فيها عبر أدوات حديثة، ويبرز شاطئ أريا برانكا في تيمور الشرقية وجهة واعدة لم تُدر على النحو الأمثل لدعم السياحة المستدامة بعد، كما أن توظيف ابتكارات الحوكمة والتسويق الرقمي فيها، ولا سيما تكامل التسويق بالمحتوى والتقنية الغامرة وتحليلات البيانات الرقمية، ما زال محدودًا ولا تدعمه أدلة تجريبية راسخة على مستوى الوجهات النامية
ومن هذا المنطلق تسعى هذه الدراسة المنشورة في مجلة السياحة والضيافة إلى فحص دور تحليلات البيانات الرقمية في العلاقة السببية بين التسويق بالمحتوى والتقنية الغامرة من جهة وبروز الوجهة وانخراط السياح من جهة أخرى، فهي لا تكتفي بسؤال هل تؤثر الأدوات الرقمية في أداء الوجهة، بل تتعمق في كيفية حدوث هذا التأثير والدور الوسيط والمعدِّل الذي تلعبه تحليلات البيانات في توجيه قرارات التسويق وتحويلها إلى نتائج ملموسة لدى السياح
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق من دور تحليلات البيانات الرقمية في العلاقات بين التسويق بالمحتوى والتقنية الغامرة وبروز الوجهة وانخراط السياح، واعتمدت مقاربة كمية استخدمت تحليل الانحدار المعدَّل لاختبار العلاقات التجريبية بين المتغيرات، وجمعت البيانات الأولية عبر مسوحات ميدانية وجهًا لوجه مع سياح زاروا شاطئ أريا برانكا الواقع شمال شرق ديلي في تيمور الشرقية مرتين على الأقل، واختير ثلاثمائة وأربعة وستون سائحًا بالعينة العشوائية البسيطة مع تصحيح المجتمع المحدود، وقُيّمت تصوراتهم باستبانة منظمة
وبنى التحليل نموذجًا يربط التسويق بالمحتوى والتقنية الغامرة متغيرين مستقلين ببروز الوجهة وانخراط السياح متغيرين تابعين، مع إدخال تحليلات البيانات الرقمية متغيرًا وسيطًا ومعدِّلًا في آن واحد، بما يسمح باختبار الآثار المباشرة وغير المباشرة وآثار التفاعل بين مكونات المنظومة الرقمية للوجهة، وهو تصميم يعكس الطبيعة المتشابكة لأدوات التسويق الرقمي الحديثة التي لا تعمل منعزلة بل تتكامل في إنتاج الأثر النهائي
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أربع نتائج رئيسة يمكن إجمالها في النقاط الآتية
1- يؤثر التسويق بالمحتوى تأثيرًا ذا دلالة إحصائية في تحليلات البيانات الرقمية وفي بروز الوجهة، ما يؤكد أن المحتوى الجيد يغذي منظومة البيانات ويرفع حضور الوجهة في وعي السياح المحتملين
2- تؤثر التقنية الغامرة في تحليلات البيانات الرقمية لكنها لا تؤثر في انخراط السياح تأثيرًا مباشرًا، بما يشير إلى أن التجارب الغامرة وحدها لا تكفي لصناعة الانخراط ما لم توظف بياناتها بفاعلية
3- تؤثر تحليلات البيانات الرقمية تأثيرًا ذا دلالة إحصائية في كل من بروز الوجهة وانخراط السياح، فهي الحلقة المركزية التي تحول الجهود التسويقية والتقنية إلى نتائج يلمسها السائح والوجهة معًا
4- تعدّل تحليلات البيانات الرقمية أثر التسويق بالمحتوى في بروز الوجهة وأثر التقنية الغامرة في انخراط السياح، فتتغير قوة هذين الأثرين واتجاههما بحسب مستوى نضج التحليلات المستخدمة في إدارة الوجهة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين النتائج أن مفهوم الحوكمة التعاونية عبر ابتكارات الحوكمة والتسويق لم يبلغ بعد المستوى الأمثل في تشكيل السياحة المستدامة في الوجهة المدروسة، وتدعو الدراسة إلى استكشاف أعمق للآثار الأكاديمية والسياساتية العملية، مع التأكيد على تعزيز القدرة على إدارة الموارد التي تحتاجها الوجهات النامية فعليًا، بما يتجاوز ابتكارات الحوكمة والتسويق الرقمي داخل إطار السياحة المستدامة، فبناء القدرات المؤسسية والبشرية شرط مصاحب لأي تحول رقمي ناجح في إدارة الوجهات
كما أن اختبار النموذج في وجهة سياحية نامية يعزز القيمة الخارجية للنتائج، إذ تواجه الوجهات الصاعدة تحديات مشابهة في محدودية الموارد المالية والبشرية وضرورة ترتيب أولويات الاستثمار الرقمي بحسب الأثر المتوقع، فتغدو معرفة أي الأدوات تصنع الفارق الحقيقي وأيها يحتاج إلى وسائط مفعلة معرفة عملية ثمينة لمديري هذه الوجهات ومخططي سياساتها التسويقية
وخلاصة القول إن تحليلات البيانات الرقمية تمثل قلب المنظومة التسويقية الحديثة للوجهات السياحية النامية، فهي تتوسط أثر التسويق بالمحتوى وتعدّل أثر التقنية الغامرة وتصنع بروز الوجهة وانخراط سياحها، وإن تجربة شاطئ أريا برانكا تقدم درسًا عمليًا للوجهات المشابهة مفاده أن الاستثمار في القدرات التحليلية والحوكمة التعاونية لا يقل أهمية عن الاستثمار في المحتوى والتقنيات ذاتها
