يعد التبرع بالدم ركيزة أساسية في منظومات الرعاية الصحية حول العالم، إذ يلبي الطلب على نقل الدم وعلاج طيف واسع من الحالات الطبية، غير أن رفع معدلات التبرع عبر استقطاب المتبرعين والاحتفاظ بهم بكفاءة ما يزال عقبة قائمة أمام بنوك الدم، فقرار التبرع ليس قرارًا معرفيًا خالصًا، بل تتداخل فيه المواقف النفسية والمشاعر والقلق المصاحب لتجربة التبرع، وعلى الرغم من أن التسويق مصدر رئيسي لاستقطاب المتبرعين فإن توظيف الأساليب الوجدانية في جهود الاتصال ما يزال جانبًا أقل معالجة لدى مختصي التسويق، ومن هنا سعت الدراسة إلى تقديم تحليل شامل للعوامل المؤثرة في نية التبرع يجمع بين الأبعاد المعرفية والوجدانية والاتصالية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل العوامل المؤثرة في نية التبرع بالدم في إطار موسع من نظرية السلوك المخطط يضيف الإثارة الوجدانية بنوعيها الإيجابي والسلبي والمواقف نحو الإعلانات وقلق التبرع بالدم، واعتمدت أسلوبًا كميًا ارتباطيًا غير تجريبي، فجمعت البيانات من 414 فردًا عبر استبانة إلكترونية وُزعت على المجتمع اليوناني، وحللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية مع التركيز على الآثار المباشرة في نية التبرع وعلى دور الإثارة الوجدانية وسيطًا بين المواقف والقلق والنية، وبذلك اختبرت الدراسة نموذجًا تفسيريًا يجمع بين التقييمات المعرفية والاستجابات الوجدانية في تفسير قرار التبرع
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نمذجة المعادلات البنائية مجموعة من النتائج حول العوامل النفسية والاتصالية لنوايا التبرع، وجاءت أبرز النتائج على النحو الآتي
1- أظهرت النتائج أن المواقف نحو التبرع بالدم تؤثر تأثيرًا مباشرًا قويًا في نية التبرع، مؤكدة فاعلية المواقف الإيجابية ونجاح الإعلانات في دعم قرار التبرع
2- بينت النتائج أن قلق التبرع بالدم يؤثر تأثيرًا مباشرًا قويًا في النية، بما يبرز الحواجز التي يولدها هذا القلق أمام إقبال المتبرعين المحتملين
3- كشفت الدراسة أن الإثارة الوجدانية تؤدي دور الوسيط الجزئي في العلاقة بين العوامل المؤثرة في التبرع ونيته، فتتشكل النية من التقييمات المعرفية والاستجابات الوجدانية معًا
4- قدمت الدراسة بذلك توجهًا جديدًا يؤكد أثر الوساطة الوجدانية في نية التبرع بالدم ويثبته بنمذجة المعادلات البنائية في إطار موسع لنظرية السلوك المخطط
5- دلت النتائج مجتمعة على أن حملات التبرع الأكثر إثارة للوجدان أقدر على استقطاب المتبرعين المحتملين من الحملات المعرفية المجردة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات اتصالية وتسويقية مهمة لبنوك الدم والجهات الصحية، إذ توصي ببناء رسائل تبرع أكثر رنينًا وجدانيًا تخاطب مشاعر المتبرعين المحتملين وتستثير استجاباتهم الإيجابية، مع معالجة قلق التبرع صراحة عبر محتوى يطمئن الأفراد حول سلامة التجربة وبساطتها، فتجتمع قوة الموقف الإيجابي مع خفض الحاجز النفسي في رفع معدلات الإقبال على التبرع
كما تثري النتائج أدبيات سلوك المتبرعين بإبرازها البعد الوجداني الذي كثيرًا ما يغيب عن نماذج التنبؤ بالنية، وتشجع الباحثين على توسيع نظرية السلوك المخطط بمتغيرات وجدانية أخرى في سياقات صحية وسلوكية متعددة، وعلى اختبار النموذج المقترح في مجتمعات وثقافات مختلفة للتحقق من ثبات المسارات الوسيطة التي كشفتها الدراسة
وتأتي هذه الدراسة في سياق احتياج متجدد لدى منظومات نقل الدم حول العالم، إذ تعاني بنوك الدم من تذبذب الإقبال وتراجع المتبرعين المنتظمين، وتتنافس رسائلها الاتصالية مع سيل من المحتوى الإعلاني المتنوع، وفي هذا السياق يصبح فهم البنية النفسية لقرار التبرع شرطًا لتصميم اتصال فعال، فالمتبرع المحتمل لا يستجيب للمعلومة وحدها بل لما تستثيره فيه من مشاعر وما ترسله من إشارات طمأنينة أو تحذير، وتقدم الدراسة بتركيزها على الإثارة الوجدانية والقلق إطارًا يفسر لماذا تنجح بعض الحملات في تحويل النية الكامنة إلى فعل تبرع بينما تخفق أخرى رغم سلامة معلوماتها، بما يرشد مخططي الحملات الصحية إلى مواضع التأثير الحقيقية
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت تحليلًا شاملًا لنية التبرع بالدم لدى 414 فردًا في إطار موسع لنظرية السلوك المخطط، فأثبتت قوة الأثر المباشر للمواقف والقلق في النية، والدور الوسيط الجزئي للإثارة الوجدانية، بما يوجه جهود استقطاب المتبرعين نحو مقاربة أكثر رنينًا وجدانيًا
