يحتل التعليم الدامج مكانة متنامية في أنظمة التربية الخاصة المعاصرة، إذ يقوم على إتاحة الفرصة للأطفال ذوي الإعاقة للتعلم في البيئات التعليمية الأقل تقييدًا إلى جانب أقرانهم، بما يعزز مشاركتهم الاجتماعية وتحصيلهم الدراسي وفرص اندماجهم في مجتمعاتهم، ويتطلب تحقيق هذا الهدف من المعلمين امتلاك معرفة راسخة بمبادئ الدمج ومعتقدات إيجابية تجاهه ومهارات عملية تمكنهم من تطبيقه داخل الصفوف الدراسية، ومن هنا تبرز أهمية إعداد معلمي التربية الخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة إعدادًا متخصصًا يجمع بين الأسس النظرية والتدريب العملي الموجه، ويمنحهم خبرات تعلم تساعدهم على تحويل قناعاتهم إلى ممارسات صفية فاعلة تخدم الأطفال ذوي الإعاقة وأسرهم والمنظومة التعليمية بأسرها
غير أن واقع إعداد هؤلاء المعلمين في الولايات المتحدة الأمريكية يتسم بتفاوت كبير، إذ تختلف برامج الاعتماد التي يلتحقون بها في مقدار ما تقدمه من تدريب على التعليم الدامج وعمقه، فيتخرج بعضهم بخبرات واسعة في هذا المجال بينما يتخرج آخرون بخبرات محدودة، الأمر الذي استدعى التفكير في بناء مقررات متخصصة تسد هذه الفجوة وتوحد الحد الأدنى من الكفايات اللازمة لممارسة الدمج بنجاح، وقد جاءت هذه الدراسة استجابة لهذه الحاجة في إحدى جامعات ولاية كاليفورنيا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إنشاء مقرر متخصص في التعليم الدامج لمعلمي التربية الخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة قبل الخدمة، بتمويل من منحة مكتب برامج التربية الخاصة، ثم فحص كيفية تغير معرفة مرشحي التدريس ومعتقداتهم تجاه الدمج بعد دراستهم هذا المقرر، واعتمدت الدراسة على استبانات قبلية وبعدية طُبقت على المشاركين قبل المقرر وبعده لقياس تصوراتهم وفهمهم ومهاراتهم العملية في التعليم الدامج، وقد شارك في الدراسة سبعة وتسعون معلمًا قبل الخدمة في مجال الطفولة المبكرة والتربية الخاصة على مدى أربع سنوات، مما أتاح تتبع أثر المقرر عبر دفعات متعاقبة من المرشحين ومقارنة مستوياتهم قبل التدريب وبعده مقارنة منهجية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج مجموعة من التغيرات الإيجابية لدى المعلمين قبل الخدمة بعد دراستهم مقرر التعليم الدامج، ويمكن إجمالها في النقاط الآتية
١- ازدادت تصورات المشاركين الإيجابية تجاه التعليم الدامج وممارساته بعد إتمامهم المقرر مقارنة بما كانت عليه قبل دراسته، بما يعكس تحولًا في اتجاهاتهم نحو تبني فلسفة الدمج في البيئات التعليمية
٢- ازداد فهم المشاركين لمفاهيم التعليم الدامج وأسسه ومبرراته، فقد تعمقت معرفتهم بأهمية الممارسات الدامجة وسبل تنفيذها بنجاح لدعم الطلاب الصغار ذوي الإعاقة في البيئات الأقل تقييدًا
٣- نمت المهارات العملية لدى مرشحي التدريس في مجال الدمج، إذ أصبحوا أكثر قدرة على تخطيط الأنشطة وتنفيذها بما يراعي احتياجات الأطفال ذوي الإعاقة داخل الصفوف الدراسية
٤- دلت النتائج في مجملها على فاعلية المقرر التدريبي في إحداث التغيير المستهدف في معرفة المرشحين ومعتقداتهم ومهاراتهم، بما يؤكد جدوى الاستثمار في مقررات متخصصة في التعليم الدامج ضمن برامج إعداد معلمي التربية الخاصة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دلالات مهمة لمصممي برامج إعداد المعلمين وصناع السياسات التعليمية، فهي تبين أن التدريب المتخصص المقصود في التعليم الدامج قادر على إحداث فروق حقيقية في كفايات المعلمين قبل الخدمة، وأن الاعتماد على مقرر مصمم بعناية وممول ضمن برامج وطنية يمكن أن يوحد مستوى الإعداد ويقلل التفاوت بين خريجي برامج الاعتماد المختلفة، كما تفتح الدراسة الباب أمام تطوير مقررات مماثلة في جامعات أخرى وتوسيع نطاقها لتشمل معلمي التعليم العام، بما يعزز ثقافة الدمج في المدارس منذ مرحلة الطفولة المبكرة وينعكس إيجابًا على تعلم الأطفال ذوي الإعاقة ومشاركتهم
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدمت دليلًا عمليًا على أن بناء مقرر متخصص في التعليم الدامج ضمن برامج إعداد معلمي التربية الخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة يغير معرفة المرشحين ومعتقداتهم ومهاراتهم في الاتجاه الإيجابي، وأن نجاح تجربة واحدة في جامعة بولاية كاليفورنيا عبر أربع سنوات وسبعة وتسعين مشاركًا يمثل نموذجًا قابلًا للاستفادة منه في تطوير إعداد المعلمين الدامجين على نطاق أوسع
