واجه كبار السن خلال جائحة كوفيد 19 ضغوطًا نفسية متزايدة انعكست على صحتهم وعلى التزامهم بسلوكيات الوقاية، وصار الإنترنت مصدرًا رئيسيًا للمعلومات الصحية لديهم، غير أن هذا المصدر يحمل وجهين متناقضين، فهو قد يمد المستخدم بمعلومات موثوقة تدعم قراراته الصحية، وقد يعرضه في الوقت نفسه لمعلومات مضللة تفاقم قلقه وتدفعه إلى سلوكيات غير سليمة، وتبرز هنا أهمية فهم العلاقة بين البحث عن المعلومات الصحية عبر الإنترنت والمشاعر السلبية وسلوكيات الوقاية على نحو طولي وليس مقطعيًا
تستند الدراسة إلى نموذج الحس السليم للتنظيم الذاتي، وتعتمد على عينة تزيد على 20000 مشارك من المسح الأوروبي للصحة والشيخوخة والتقاعد، وتهدف إلى فحص العلاقة التبادلية بين المشاعر السلبية وسلوكيات الوقاية، وقياس الأثر المباشر للبحث عن المعلومات الصحية عبر الإنترنت على كل منهما، واختبار ما إذا كان تغير وتيرة البحث يعدل العلاقة بين المشاعر والسلوك، وتكتسب هذه الأهداف أهمية عملية لأنها توجه سياسات التوعية الصحية نحو الفئات الأكبر سنًا في أوقات الأزمات الصحية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استخدمت الدراسة أولًا نموذج اللوحة المتقاطعة ذات الانحدار الذاتي لتحليل الأثر الطولي للمشاعر السلبية على سلوكيات الوقاية، ثم استخدمت الانحدار بالمربعات الصغرى العادية لاستكشاف أثر تغير وتيرة البحث عن المعلومات الصحية عبر الإنترنت على المشاعر السلبية وسلوكيات الوقاية، ثم استخدمت تحليل المجموعات المتعددة لفحص الأثر المعدل لتغير وتيرة البحث على النموذج الطولي، وبهذا التسلسل المنهجي جمعت الدراسة بين النظرة الطولية للعلاقات المتبادلة والنظرة المقارنة بين فئات المستخدمين بحسب تغير سلوكهم المعلوماتي
ثانيًا: أبرز النتائج
1، وُجدت علاقة طولية دالة بين المشاعر السلبية الأولية وسلوكيات الوقاية اللاحقة، إذ تنبأت المشاعر السلبية الأولية بسلوكيات وقاية لاحقة بمعامل قدره 0.038 وبدلالة أدنى من 0.001، وهو ما يشير إلى أن القلق قد يدفع كبار السن إلى مزيد من الحذر الوقائي
2، ارتبطت زيادة وتيرة البحث عن المعلومات الصحية عبر الإنترنت بتغيرات إيجابية في سلوك الوقاية بمعامل قدره 0.109 وبدلالة أدنى من 0.001، وهو ما يدعم فكرة أن البحث المعلوماتي قد يعزز الالتزام الوقائي عندما يقود إلى معلومات نافعة
3، ظلت العلاقة بين المشاعر السلبية أو زيادتها وسلوكيات الوقاية دالة لدى من لم تتغير وتيرة بحثهم أو زادت، بينما لم تظهر دالة لدى من انخفضت وتيرة بحثهم، وهو ما يكشف الدور المعدل لسلوك البحث المعلوماتي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن معالجة الصحة النفسية لكبار السن لا تنفصل عن دعم سلوكهم الوقائي، وأن توفير معلومات صحية موثوقة عبر الإنترنت قد يحول القلق من عبء نفسي إلى دافع للوقاية، ويمكن للجهات الصحية تصميم منصات معلوماتية مبسطة وموثوقة لكبار السن، وتدريبهم على تمييز المصادر الجديرة بالثقة، ودمج الدعم النفسي في برامج التوعية الوقائية، خاصة في أوقات تفشي الأمراض المعدية حيث تتسارع الشائعات وتتضاعف الحاجة إلى إرشاد واضح
ومن زاوية منهجية، يلاحظ أن اختيار الأدوات والتحليلات الملائمة لطبيعة البيانات يمثل عاملًا حاسمًا في جودة الاستنتاجات، فسلامة التصميم ودقة القياس وحسن اختيار العينة شروط لا غنى عنها لأي تعميم مسؤول، وهي معايير ينبغي أن يراعيها كل باحث يسعى إلى إنتاج معرفة جديرة بالثقة والتطبيق
وتظل حدود الدراسة جزءًا أصيلًا من قراءتها العلمية الرشيدة، فكل تصميم بحثي يحمل افتراضات وقيودًا تؤثر في مدى تعميم نتائجه، وإدراك هذه الحدود لا يضعف الدراسة بل يعزز مصداقيتها ويوجه الباحثين المقبلين نحو تصاميم أكثر إحكامًا وعينات أوسع وأدوات أدق في قياس الظواهر المدروسة
وفي التطبيق العملي، تكتسب النتائج معناها الحقيقي حين تتحول إلى قرارات وبرامج وسياسات قابلة للتنفيذ والمتابعة، ولهذا فإن التواصل بين الباحثين والممارسين وصناع القرار يمثل حلقة وصل ضرورية، تضمن ألا تبقى المعرفة حبيسة الأوراق العلمية بل تصل إلى الميدان الذي يحتاجها ويستفيد منها
وخلاصة القول إن المشاعر السلبية ليست عائقًا أمام الوقاية بالضرورة، بل قد تكون محفزًا لها حين يقترن بها بحث معلوماتي نشط وموثوق، وإن الاستثمار في الصحة النفسية وجودة المعلومات الصحية المتاحة لكبار السن يمثلان ركيزتين متكاملتين لإدارة مخاطر الأمراض المعدية في المجتمعات المتقدمة في السن
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpubh.2024.1377017/full
DOI: 10.3389/fpubh.2024.1377017
