تُركّب التقنية الحديثة في بيئة العمل المعاصرة وجهًا مظلمًا خفيًا، فالهاتف الذكي الذي يصل الموظف بعمله في كل لحظة قد يولّد لديه خوفًا مزمنًا من فوات ما يجري في العمل أثناء غيابه، وهو ما تصطلح عليه الأدبيات بالخوف من الفوات في العمل، ويمتد أثر هذا الخوف إلى استخدام الهاتف بعد ساعات الدوام وإلى النزاع بين العمل والأسرة، ومن ثم إلى الرفاه النفسي للموظف، وتتناول هذه الدراسة هذه السلسلة من العلاقات لدى الموظفات تحديدًا، مستندة إلى نظرية الحفاظ على الموارد التي ترى السلوك الإنساني مدفوعًا بحماية الموارد النفسية والاجتماعية من الاستنزاف، لتختبر ما إذا كان الخوف من الفوات في العمل يؤثر في الرفاه النفسي عبر مسارين وسيطين: استخدام الهاتف الذكي بعد العمل، والنزاع بين العمل والأسرة، منفردين ومتسلسلين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد ما إذا كان الخوف من الفوات في العمل يؤثر في الرفاه النفسي للموظفات عبر استخدام الهاتف الذكي بعد العمل والنزاع بين العمل والأسرة، وصاغت فروضها حول الآثار المباشرة وأدوار الوساطة البسيطة والوساطة المتسلسلة بالاستناد إلى نظرية الحفاظ على الموارد، وجمعت البيانات من مئتين وسبع وثمانين موظفة يعملن في قطاعات مختلفة في تركيا، وحللت البيانات باستخدام الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية وبرنامج آموس وإضافة بروسيس ماكرو، فاختبرت النماذج البنائية والوساطات المقترحة، بما أتاح التفريق بين الأثر الإيجابي المحتمل لبقاء الموظفة على اتصال بعيدًا وبين الأثر السلبي حين يتحول هذا الاتصال إلى بوابة لتسلل متطلبات العمل إلى الحياة الأسرية واستنزاف مواردها النفسية
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن صورة مزدوجة لاستخدام الهاتف الذكي بعد العمل، فقد تبين أن للخوف من الفوات في العمل أثرًا إيجابيًا في الرفاه النفسي عبر استخدام الهاتف بعد العمل، أي إن بقاء الموظفة على اطلاع معتدل بما يجري قد يطمئنها ويخفف قلقها، وفي المقابل تبين أن للخوف ذاته أثرًا غير مباشر سلبيًا في الرفاه النفسي عبر النزاع بين العمل والأسرة، إذ يستنزف تداخل الأدوار موارد الموظفة ويقوض توازنها، كما أثبتت النتائج أن استخدام الهاتف بعد العمل والنزاع بين العمل والأسرة يؤديان معًا دور الوساطة المتسلسلة في أثر الخوف من الفوات في الرفاه النفسي، بما يعني أن مجرى الأثر يبدأ من الخوف فيدفع إلى الاتصال بعد الدوام، فإذا تجاوز هذا الاتصال حدّه تحول إلى نزاع بين العمل والأسرة وانعكس سلبًا على الرفاه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يستخلص من هذه النتائج أن مفتاح التعامل العملي مع هذه الظاهرة يكمن في الاعتدال لا في المنع، فإبقاء استخدام الهاتف بعد العمل عند مستوى معقول لدى الموظفات اللاتي يعانين الخوف من الفوات قد يرفع رفاههن النفسي، بينما يؤدي الاستخدام الذي يفضي إلى النزاع بين العمل والأسرة إلى خفض هذا الرفاه، وعلى المنظمات تبعًا لذلك أن تصمم سياسات اتصال واضحة بعد ساعات العمل تراعي الفروق الفردية في القلق المهني، وأن تدرب المديرين على نمذجة سلوك متوازن في التواصل الرقمي، كما تثري الدراسة أدبيات الجانب المظلم للتقنية بإثباتها أن الوسائط ذاتها قد تحمل أثرين متعاكسين بحسب مسارها، وتظل نتائجها مقيدة بعينتها من الموظفات في سياق تركي يستدعي التحقق في سياقات ثقافية وقطاعية أخرى
وتضيء نظرية الحفاظ على الموارد هذه النتائج المزدوجة إضاءة أعمق، فالموظفة التي تخشى فوات ما يجري في عملها تستثمر جزءًا من مواردها الانتباهية والانفعالية في المراقبة المستمرة، وتجد في الاطلاع الخفيف بعد الدوام تعويضًا يرد إليها شعور السيطرة ويمنع تفاقم القلق، فتربح موردًا نفسيًا يعينها على الاستقرار، غير أن الاستثمار ذاته إذا طال وامتد بدأ يقتطع من موارد الأسرة والراحة، فيتحول من مكسب إلى خسارة صافية تظهر في صورة نزاع بين الأدوار وإنهاك متراكم، وهذه الحركة ذات الاتجاهين هي جوهر حلقات الربح والخسارة في النظرية، وتفسر لماذا لا تصح التوصيات المطلقة، فلا الحظر الكامل للاتصال يناسب الجميع ولا تركه بلا ضوابط يحمي الجميع، بل تصح سياسات مرنة تراعي الفروق الفردية وتدرب الأفراد على التعرف إلى حدودهم الخاصة قبل تجاوزها
وخلاصة القول إن الخوف من الفوات في العمل يؤثر في الرفاه النفسي للموظفات عبر مسارين متعاكسين، إيجابي حين يمر باستخدام معتدل للهاتف بعد العمل يبعث على الاطمئنان، وسلبي حين يتسلسل عبر هذا الاستخدام إلى النزاع بين العمل والأسرة فيستنزف الموارد النفسية، وبذلك تقدم الدراسة استنتاجات نظرية وعملية دقيقة حول هذا المفهوم ونتائجه، وتدعو المنظمات والباحثين إلى إدارة الاتصال الرقمي بعد الدوام بوعي يوازن بين الطمأنينة المهنية وحماية الحياة الأسرية








